ماذا يفيد ضمير أنت الظاهر بعد فعل الأمر (اسكن أنت وزوجك)

   نشر المهندس عدنان الرفاعي  في صفحته منشور بعنوان

   (لمسة بيانيّة .. وتفنيد شبهة) تناول فيه ضمير أنت الظاهر في نص (اسكن أنت وزوجك) وقال :

( (( وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنّة وكلا منها رَغَداً حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين (35) فأزلهما الشيطان فأخرجهما ممّا كانا فيه )) [ البقرة : 35 – 36 ]

.. قول الله تعالى في هذا النص ، نرى فيه الصيغة (( أنت )) : (( وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنّة )) وهذه الصيغة تُؤكِّد أنّنا أمام فرد يخاطبه الله تعالى بكلمة : (( أنت )) .. فلا يمكن لكلمة (( أنت )) أن تعني جماعة أو جنساً من المخلوقات .. فكلمة (( أنت )) ترد عشرات المرّات في كتاب الله تعالى ، وفي جميع مرّات ورودها في كتاب الله تعالى تعني – حصراً حصراً حصراً – فرداً واحداً .. وهذه حقيقة [ وحدها ] كافية لنفي الأوهام التي يُلقونها على كتاب الله تعالى دون وعي لدلالات نصوصِه الكريمة ..

.. لننظر في قوله تعالى :

(( قال ما منعك أن تسجد إذ أمرتك قال أنا خيرٌ — منه — خلقتني من نار — وخلقته — من طين ))

.. في إجابة إبليس .. هل من الممكن للضمير الهاء في كلمة (( منه )) أن يعود على جنس من المخلوقات ؟!!!! .. هل من الممكن للضمير الهاء في كلمة (( وخلقته )) أن يعود إلى جنس من المخلوقات ؟!!! ..

3 – في النصّين الكريمين [ في سورتي البقرة والأعراف ] .. كم صيغة مُثنّى تُشير لفردين اثنين لا ثالث لهما ؟ :

[[[ (( وَكُلا )) ، (( شئتما )) ، (( تقربا )) ، (( فتكونا )) ، (( فأزلهما )) ، (( فأخرجهما )) ، (( كانا )) ، (( لهما )) ، (( سوءاتهما )) ، (( وقاسمهما )) ، (( لكما )) ، (( فدلاهما )) ، (( ذاقا )) ]]]

كلُّ هذه الصيغ تشير إلى فردين اثنين ، لا ثالث لهما ، هما آدم عليه السلام وزوجه ..

.. وما نراه هو الصيغة : (( وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنّة )) ، فورود كلمة (( أنت )) يُفيد أمرين اثنين :

.. كلمة (( أنت )) تفيد خطاباً لفردٍ عاقل ، ولا شك أنَّه آدم عليه السلام ..

.. كلمة (( اسكن )) فعل أمر حيث الفاعل هو ضميرٌ مستترٌ بتقدير [ أنت ] بمعنى : اسكن أنت .. وكلمة (( أنت )) المرسومة نراها توكيداً للفاعل المستتر [ أنت ] في كلمة (( اسكن )) ..

(( وزوجُك )) معطوفة على الضمير المستتر الفاعل (( أنت )) في كلمة (( اسكن )) ، بمعنى : وزوجك تسكن أيضاً .. والكاف مضاف إليه ..

الجنّة : مفعول به ..

.. وهنا سؤال يطرح نفسه : ما دامت كلمة (( اُسكن )) فيها ضمير مستتر فاعل بتقدير (( أنت )) بمعنى : اسكن أنت .. فلماذا نرى تأكيداً لهذا الضمير المستتر بكلمة (( أنت )) المرسومة ؟ .. يعني : ما الفارق بين الصيغة : (( اسكن — أنت — وزوجُك الجنّة )) وبين الصيغة المفترضة : [ اسكن وزوجك الجنّة ] ؟ ..

.. أُجيب : الصيغة المفترضة [ اسكن وزوجك الجنّة ] تحمل دلالة سكنٍ لا يكون إلاَّ مُشتركاً ، يعني : حرف الواو في كلمة [ وزوجك ] في هذه الحالة المفترضة [ اسكن وزوجك الجنّة ] تحمل معنى الشراكة أكثر ممّا تحمل معنى العطف .. وهذا نرى ما يحاكيه في كتاب الله تعالى ، في خطاب الله تعالى لموسى عليه السلام :

(( اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري )) [ طه : 58 ]

هنا كلمة اذهب فعل أمر ، والفاعل مستتر بتقدير (( أنت )) ، وكلمة (( أنت )) تأكيد للفاعل المستتر (( أنت )) .. تماماً كالصيغة (( اسكن أنت وزوجك الجنّة )) .. ولو وردت الصيغة المفترضة [ اذهب وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري ] دون ورود كلمة (( أنت )) ، لكان الأمر شاملاً لذهاب مشتركٍ بينهما بشكلٍ دائم .. لكن .. بالصيغة : (( اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري )) نرى أنَّ الضمير (( أنت )) أعطى أمراً لموسى مستقلاً ، وأمراً مستقلاً لهارون ، لا يُشترط فيه أن يكون موسى مرافقاً دائماً لهارون عليهما السلام ..

.. مثلا في خطاب الله تعالى لنوح عليه السلام :

(( فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجّانا من القوم الظالمين ))

هنا .. كلمة (( استويت )) نرى فيها فعلاً وفاعلاً ، وبعد ذلك نرى ورود كلمة (( أنت )) كضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع لتأكيد الفاعل في كلمة (( استويت )) .. وورود هذا التأكيد (( أنت )) له ضرورة لتمييز استواء نوح عليه السلام عن استواء غيره ، فاستواؤه مستقل عن استواء مَن معه ، وبمجرّد أن يستوي هو [ دون أن يقتضي ذلك شرط استواء من معه ] يقول : (( الحمد لله الذي نجّانا من القوم الظالمين )) .. ولو كانت الصيغة دون كلمة (( أنت )) أي لو كانت بالشكل [[ فإذا استويت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجّانا من القوم الظالمين ]] دون ورود كلمة (( أنت )) ، لكان عليه أن ينتظر حتى استواء جميع من معه ليقول : (( الحمد لله الذي نجّانا من القوم الظالمين )) ..

.. إذاً .. الصيغة : (( اسكن أنت وزوجك الجنّة )) تعني أمراً بأن يسكن آدم الجنّة وبأن تسكن زوجه الجنّة ، سكناً خاصاً بكلٍّ منهما ، فعند موت أحدهما يبقى الآخر ساكناً ، وهذا يختلف عن الصيغة [ اسكن وزوجك الجنّة ] التي تعني سكناً لا يكون إلاَّ بوجودهما معاً ..

.. دخلت بكلِّ هذا التفصيل ، للردّ على الذين يضعون أهواءهم معياراً لنصوص كتاب الله تعالى ، فيضحكون على السذّج وعلى الباحثين عن الشبهات ، بأنَّ ورود كلمة (( أنت )) في العبارة : (( اسكن — أنت — وزوجك الجنّة )) يخدم أوهامهم التي تستحيل صحّتها ، فيقولون لهم : ورود كلمة (( أنت )) هنا ، يُفيد اختياراً لآدم من بين مجموعة أقرانه ، وبالتالي – والقول للمضلّلين – فقد تمَّ اختياره من بين مجموعة من البشر .. هكذا يقولون للسذّج الباحثين عن أيِّ هوى وعن أيِّ شبهة تتناغم مع أهوائهم ..

.. وهنا .. أسأل :

.. في قوله تعالى الذي يصوّر لنا قول عيسى عليه السلام :

(( إن تعذّبهم فإنّهم عبادك وإن تغفر لهم فإنّك — أنت — العزيز الحكيم ))

بناء على كلامهم الذي لا علاقة له بمنطق ولا بلسان ولا بعقل : هل ورود كلمة (( أنت )) : (( فإنّك — أنت — العزيز الحكيم )) يعني أنَّ عيسى عليه السلام يعتقد بوجود آلهة كثيرين وأراد تمييز الله تعالى – من بين هؤلاء الآلهة الكثيرين – بأنّه هو العزيز الحكيم ؟!!! .. هل كان على عيسى عليه السلام أن يحذف كلمة (( أنت )) وأن يقول : [ إنّك العزيز الحكيم ] لكي لا يتّهمه [ الذين لا يعرفون الاسم من الفعل والفعل من الفاعل ] أنَّه يؤمن بمجموعة آلهة يمتاز الله تعالى عنهم بأنّه هو – فقط – من بينهم الذي يُوصَف بالعزيز الحكيم ؟!!! .. هل يقول بذلك عاقل ؟ ..

.. هل قول الرسل لكلمة (( أنت )) :

(( يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنّك — أنت — علاّم الغيوب ))

هل كلمة (( أنت )) يعنون بها اختياراً لله تعالى من بين مجموعة آلهة ، لكنَّ الله تعالى يمتاز عن هؤلاء الآلهة بأنّه هو علاّم الغيوب ؟ .. هل يقول بذلك عاقل ..

.. أعتقد أنّنا أصبحنا نعلم ، كيف أنَّ أصحاب الأهواء لا يؤمنون بكتاب الله تعالى .. نعم ، نعم ، نعم .. لا يؤمنون بكتاب الله تعالى ، لأنَّ الإيمان ليس بمجرّد الاعتراف بوجود المؤمَن به .. أبداً .. الإيمان هو الطمأنينة والوثوق والتصديق والتسليم الروحي لمن نُؤمن به ، وإلاَّ لكان الكافرون مؤمنين بالله تعالى :

(( ومَن — كفر — فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبّئهم بما عملوا إنّ الله عليم بذات الصدور (23) نمتّعهم قليلاً ثمّ نضطرهم إلى عذابٍ غليظ (24) ولئن سألتهم مَن خلق السماوات والأرض — ليقولنَّ الله — قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون )) [ لقمان : 23 – 25 ] .. انتهى.

                                    نقد وتقويم

    المنهج الصحيح في هذه المسألة أن يكون القرآن هو الحاكم على القرآن؛ فلا تُجعل عادات القوم في الخطاب، ولا الاصطلاحات النحوية والتفسيرية الموروثة، حكماً سابقاً على النص القرآني. وإنما يُنظر في اللفظ ضمن لسانه العربي المبين، واللسان العربي لسان واقع ومنطق ومحل خطاب وعلاقات بين المعاني، وليس مجرد ألفاظ صوتية منفصلة عن مدلولاتها. ثم تُرتل آيات الموضوع بعضها إلى بعض، وتُقرأ منظومة الخلق والخلافة والاصطفاء والذرية مجتمعة، لأن الحكم على دلالة لفظة واحدة لا يصح بمعزل عن المنظومة التي وردت فيها.

وعلى هذا الأساس فإن قوله تعالى: «وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ» [البقرة: 35] لا يصح أن يُحسم معناه بمجرد القول إن «أنت» توكيد للفاعل المستتر في «اسكن».

ففعل الأمر «اسكن» قد دل بنفسه على المخاطب؛ لأن فاعله ضمير مستتر تقديره «أنت». ولذلك فإن ظهور «أنت» بعده ليس إنشاءً للمخاطب ولا تعريفاً به من حيث أصل الخطاب، إذ قد عُرف المخاطب بالفعل. ومن هنا فإن تفسير «أنت» بأنه مجرد توكيد للفاعل المستتر لا يفسر لماذا أُظهر الضمير بعد أن أدت صيغة الأمر وظيفتها كاملة.

بل من حيث المعنى يصبح التعليل بالتوكيد مجرد إعادة لما أُنجز في الفعل: «اسكن» دال على «أنت»، ثم يقال إن «أنت» جاءت لتؤكد «أنت»؛ فيكون حاصل التحليل: اسكن (أنت) أنت وزوجك. وهذا لا يقدم تفسيراً للزيادة في المبنى، وإنما يصفها فقط بأنها توكيد. والسؤال الحقيقي يبقى قائماً: ما الوظيفة التي اقتضت إظهار الضمير في هذا الموضع بالذات؟

وهنا يجب التفريق بين الإعراب وبين الدلالة. فقد يصف النحوي «أنت» بأنه ضمير منفصل في محل رفع توكيد للضمير المستتر، لكن هذا الوصف الإعرابي لا يعني أن البحث الدلالي قد انتهى. فكونه توكيداً من جهة الصناعة لا يفسر بالضرورة الغرض الذي من أجله أُبرز في السياق. ولذلك لا يصح تحويل الحكم الإعرابي إلى حكم وجودي، ثم القول إن إفراد «أنت» يثبت انفراد آدم عن غيره.

بل إن أهل العربية والبلاغة أنفسهم لم يجعلوا ظهور الضمائر المنفصلة في مثل هذه التراكيب حشواً خالياً من الدلالة؛ فقد عُرف في مباحث البلاغة أن إبراز الضمير قد يأتي للتخصيص والقصر والإبراز وتعيين المسند إليه بحسب المقام. وهذا يُذكر هنا استئناساً بقدم هذا الفهم في العربية، لا باعتباره برهاناً على المراد القرآني؛ لأن البرهان الحاكم في هذه المسألة هو القرآن نفسه وسياقه ومنظومته.

إذن ظهور «أنت» في «اسكن أنت وزوجك» يفيد التعيين والتحديد والإبراز في محل الخطاب، لا مجرد إنشاء المخاطب الذي سبق أن دل عليه فعل الأمر.

وهنا تظهر النقطة المنطقية الأساسية: التعيين والتحديد لا يكونان في فراغ، ولا بالنسبة إلى علم الله وقدرته، وإنما بالنسبة إلى محل يقع فيه التعيين. فالله تعالى يعلم الواحد والمتعدد، ويقدر على الواحد والمتعدد، ولا يحتاج علمه ولا قدرته إلى وجود أمثال حتى يتعلق المعلوم أو المقدور به. أما التعيين والاصطفاء والتمييز فليست من هذا الباب؛ فهي أفعال دلالتها متعلقة بالانتقاء والإبراز والتمييز، ولذلك يكون محلها بالنسبة إلى مجال يقع فيه هذا الانتقاء والتمييز.

ولهذا لا يصح أن يقال: إن الله قادر على أن يعيّن فرداً واحداً في الوجود، إذ إن القدرة شيء، والتعيين شيء آخر. كما لا يصح أن يقال إن علم الله بشخص واحد يكفي لإثبات إمكان الاصطفاء لشخص منفرد؛ لأن العلم والقدرة لا يشترطان التعدد، أما الاصطفاء والتعيين فمتعلقان بمعنى التمييز والانتقاء.

ومن هنا فالقول بأن «أنت» تعني «الجماعة» ليس هو محل البحث أصلاً، ولم يقل بذلك. وإنما البحث في أن إبراز ضمير المفرد بعد أن كان المخاطب معلوماً من فعل الأمر يدل على تعيينه وإبرازه داخل محل خطاب، ومع القرائن القرآنية الأخرى يدل على أنه ليس من المشروع تحويل هذا الإفراد اللفظي إلى إثبات لانفراد وجودي مطلق.

وهذا هو الفرق الذي غاب عن الاستدلال المقابل: الإفراد النحوي شيء، والانفراد الوجودي شيء آخر. لفظ «أنت» يعيّن المخاطب في صيغة المفرد، لكنه لا يقول بذاته إن هذا المخاطب هو الفرد الوحيد الموجود من جنسه.

وتأتي هنا القرينة القرآنية الأهم: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ» [آل عمران: 33].

ولا يجوز استبدال «اصطفى» بـ«اختار» ثم بناء الحكم على هذا الاستبدال. فالاختيار قد يتعلق بشيء لم يوجد بعد، ولا يلزم منه وجود أمثال حاضرة يقع الانتقاء بينها. أما الاصطفاء فدلالته الانتقاء والتمييز والإبراز، أي جعل الشيء في صفوة بالنسبة إلى غيره؛ ولذلك فإن حمله على معناه الكامل يقتضي مجالاً يقع فيه هذا التمييز.

فالقول إن آدم «مصطفى» ثم افتراض أنه كان منفرداً وجودياً عن كل جنس البشر، يحتاج إلى برهان مستقل، ولا يجوز جعله نتيجة مستخرجة من مجرد إفراد الضمير «أنت». بل مفهوم الاصطفاء نفسه يضع آدم في سياق التمييز والانتقاء، لا في سياق الانفراد المطلق.

ويضاف إلى ذلك قوله تعالى: «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» [البقرة: 30]. فآدم لا يظهر في القرآن كلفظ معزول عن منظومة، وإنما يأتي ضمن منظومة الخلق في الأرض والخلافة، ثم الاصطفاء، ثم الذرية وبنو آدم. ولذلك لا يصح اقتطاع «أنت» من هذه المنظومة وجعل إفرادها اللفظي حداً قاطعاً يمنع وجود إطار بشري أوسع.

أما استدلال الرفاعي بقوله تعالى: «أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ» [الأعراف: 12]، فلا يثبت أكثر من أن الضميرين «منه» و«خلقته» يعودان إلى آدم في ذلك المقام. وهذا أمر لا خلاف فيه. لكن تحديد مرجع الضمير لا يساوي إثبات الانفراد الوجودي. فكون الحديث عن شخص معين لا يستلزم أن يكون ذلك الشخص هو الوحيد من جنسه.

ومن ثم فالاستدلال بـ«منه» و«خلقته» لا ينهض لإثبات النتيجة التي يريدها؛ لأنه ينتقل مرة أخرى من الإفراد النحوي إلى حكم على الواقع الوجودي دون برهان قرآني يثبت هذه الملازمة.

وأما قوله تعالى: «اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي» [طه: 42]، فهو شاهد مهم على أن ظهور «أنت» بعد فعل الأمر ليس لفظاً زائداً لا أثر له في بناء الخطاب. فـ«اذهب» قد دل بالفعل على المخاطب، ثم أُبرز موسى بـ«أنت»، ثم عُطف عليه أخوه. والقرآن نفسه يقول بعد ذلك: «اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى» [طه: 43]. فالضمير الظاهر يبرز المخاطب الأول ويعيّنه داخل تركيب جمعه بغيره، ولا يصح جعل هذا الظهور مجرد تكرار آلي للفاعل المستتر ثم تحميله نتائج وجودية.

وكذلك قوله تعالى: «فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» [المؤمنون: 28]. فالقرآن أبرز نوحاً بـ«أنت» ثم أدخل معه «من معك». وهذا يثبت أن إظهار الضمير يملك وظيفة في تركيب الخطاب، لكنه لا يثبت ما ذهب إليه الرفاعي من أن نوحاً استوى وحده أولاً، وأنه كان سيقول الحمد لله قبل استواء من معه. فهذا معنى زمني لم يذكره النص، ولا يجوز استخراج حدث زمني من مجرد إبراز الضمير.

وبذلك يسقط أيضاً استدلاله بأن حذف «أنت» من «استويت أنت ومن معك» سيجعل نوحاً ملزماً بالانتظار حتى يستوي جميع من معه؛ فهذا تحميل للضمير معنى لم يدل عليه النص.

أما قياسه على قوله تعالى: «فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» [المائدة: 118]، وقوله: «إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ» [المائدة: 109]، فقياس غير صحيح؛ لأن محل الخطاب هنا مختلف جذرياً.

نحن أمام منظومتين مختلفتين: منظومة الخالق الأزلية الصمدية المتفردة، ومنظومة المخلوق الحادثة التي يحكمها الجنس والنوع والتعدد والعلاقات الواقعية. لذلك لا يصح أن يُنقل معنى الضمير في مقام الكلام عن الله إلى مقام الكلام عن آدم لمجرد اشتراك الموضعين في لفظ «أنت».

وفي قوله تعالى عن الله: «فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ»، لا يعني «أنت» وجود آلهة آخرين، لأن حقيقة المخاطَب ومنظومته الوجودية معلومة من القرآن نفسه: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» [الإخلاص: 1]. فالضمير هنا يفهم داخل منظومة التوحيد والتفرد الإلهي. أما آدم فهو مخلوق حادث داخل منظومة الجنس والذرية والخلافة والاصطفاء. والاشتراك في اللفظ لا يعني اتحاد اللوازم الدلالية والوجودية.

ومن هنا يتبين الخلل المركزي في منشور الرفاعي: لقد جعل إفراد الضمير دليلاً على إفراد الوجود، مع أن النص لا يقرر هذه الملازمة. ثم حاول تقوية ذلك بألفاظ الضمائر المثناة في القصة، مثل «كلا»، و«شئتما»، و«تقربا»، و«فتكونا»، و«فأزلهما»، و«فأخرجهما»، و«كانا»، و«لهما»، و«سوءاتهما»، و«وقاسمهما»، و«لكما»، و«فدلاهما»، و«ذاقا»، ليقرر أن الخطاب لا يتجاوز آدم وزوجه.

وهذه الصيغ تثبت أن الخطاب في ذلك الموضع يتناول اثنين: آدم وزوجه، ولا خلاف في ذلك. لكنها لا تثبت أن آدم وزوجه كانا كل الوجود البشري الممكن في ذلك الوقت. فإثبات العدد الذي تناوله الخطاب شيء، ونفي وجود غيرهم من جنسهم شيء آخر. ولا يجوز جعل دلالة التثنية في محل الخطاب برهاناً على عدم وجود أفراد آخرين خارج محل الخطاب.

وكذلك قوله إن «أنت» لا يمكن أن تعني جماعة صحيح من حيث إن الضمير نفسه ضمير مفرد؛ لكن هذه ليست الدعوى المقابلة. لم يُقل إن «أنت» جمع، وإنما قيل إن الضمير المفرد قد يعيّن فرداً باعتباره داخلاً في جماعة أو ممثلاً لجنس، ولا يمنع إفراده اللفظي من وجود غيره.

وهذا معروف في اللسان القرآني نفسه، كقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ» [الانفطار: 6]، وقوله: «إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ۝ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا» [العصر: 2-3]. فالإفراد في اللفظ لا يساوي بالضرورة الانفراد العددي في الواقع؛ وإنما يحدد السياق مجال الدلالة.

وعليه فالمطلوب من الرفاعي ليس أن يثبت أن «أنت» مفرد؛ فهذا لا نزاع فيه، وإنما أن يثبت كيف انتقل من إفراد الصيغة إلى انفراد آدم وجودياً عن كل جماعة من جنسه. وهذا الانتقال هو موضع البرهان المفقود.

أما إذا جمعنا قوله تعالى: «اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ»، مع وظيفة التعيين والإبراز، ومع الاصطفاء: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ»، ومع الخلافة: «إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً»، ومع منظومة الذرية وبني آدم، فإن الصورة القرآنية لا تسمح بتحويل مجرد إفراد الضمير إلى دليل على الانفراد الوجودي.

فالنتيجة ليست أن «أنت» تعني الجمع، ولا أن كل ضمير «أنت» في القرآن يعني وجود جماعة؛ فهذا تعميم لم يُقل به أصلاً. النتيجة هي أن ظهور «أنت» بعد اكتمال دلالة فعل الأمر يؤدي وظيفة التعيين والتحديد والإبراز، والتعيين والتحديد في هذا المقام لا يتعلقان بعلم الله أو قدرته، وإنما بمحل الخطاب والواقع الذي يقع فيه التعيين؛ ومع قرائن الاصطفاء والخلافة ومنظومة الخلق والذرية، يكون حمل آدم على كونه داخلاً في جماعة من جنسه هو مقتضى مجموع القرائن، لا نتيجةً مستخرجة من الضمير وحده.

وبذلك يكون الخطأ المنهجي في استدلال الرفاعي أنه أخذ علامة نحوية مفردة، ثم جعلها حكماً على واقع وجودي، ثم جعل هذا الحكم أساساً لرد بقية القرائن. بينما المنهج الصحيح هو العكس: القرآن يفسر القرآن، واللسان يُفهم في محل خطابه، والقرائن تُرتل في منظومة واحدة، ثم يُستخرج الحكم الوجودي من مجموعها.

فالضمير «أنت» لا يثبت وحده وجود أقران آدم، لكنه كذلك لا يثبت وحده انفراده عنهم. وإنما وظيفته في هذا التركيب هي التعيين والتحديد والإبراز، ثم تأتي القرائن القرآنية الأخرى لتبين من أي مجال وقع هذا التعيين، ومن أي جماعة وقع الاصطفاء. ومن هنا لا يكون الإفراد النحوي حجة على الانفراد الوجودي، ولا يصح أن تُغلق المسألة بعبارة: «أنت تعني فرداً واحداً، إذن آدم كان وحده من جنسه».