جواب أسئلة الأخ Issam Menebhi
س1- إذا كان البناء للمجهول في ((كُتِبَ عَلَيْكُمْ)) يعني أن الله ليس هو الذي كتب، فمن الذي كتب؟
س2- هل يدل حذف الفاعل لغويا على أن الفاعل غير الله؟
س3- إذا كان ((كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ)) يعني أن الظروف هي التي قررت القتال وليس الله، فأين يقول النص القرءاني ذلك؟
ج1: من الذي كَتَبَ إن لم يكن الفاعل هو الله؟
إن الفاعل في صيغة المبني للمجهول (كُتِبَ) يتحدد حصراً من خلال السياق ومحل الخطاب، وليس بافتراض مسبق خارج النص. عندما يتعلق الأمر بحكم ظرفي طارئ وليس غاية مطلوبة لذاتها، فإن الذي “كَتَبَ” وألزم هو الظروف والمعطيات الموضوعية في الواقع.
ففي قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ)، القتال ليس تشريعاً مطلوباً لذاته، بل هو رد فعل مرتبط بالعدوان. وعليه، فإن عدوان المعتدي وطبيعة المعطيات الميدانية هي التي تفرض وتكتب هذه الضرورة، مما يدفع الطرف المعتدى عليه لاختيار قرار القتال ومواجهة الواقع. فالفاعل هنا هو المعطيات والظروف المتغيرة.
ج2: الدلالة اللسانية لحذف الفاعل
في اللسان العربي، بناء الفعل للمجهول (ما لم يُسمّ فاعله) يهدف إلى إخفاء الفاعل لمقصد بياني، مثل الدلالة على تعدد الفاعل أو تغيره في الواقع. هذا الحذف اللساني لا يشترط بالضرورة أن يكون الله هو الفاعل، كما أنه لا ينفي ذلك مطلقاً، بل يبقي الباب مفتوحاً.
الذي يفصل ويحدد هو (محل الخطاب)؛ فإذا كان الخطاب يتناول أحداثاً ظرفية وتفاعلية، دلّ ذلك لسانياً ومنطقياً على أن الفعل محكوم بمعطيات الواقع التي تتعدد وتتغير، وهي التي تفرض الحكم وتكتبه، وليست إرادة إلهية مباشرة ومطلوبة لذاتها بمعزل عن هذا الواقع.
ج3- الرد المؤصل على هذا السؤال ينطلق من القاعدة المنهجية التي تقرر أن القرآن الكريم خطاب حيوي منطقي لا يفهم إلا وفق تنزيله على محله من الخطاب، ولا بد للوصول إلى دلالته من الدراسة الترتيلية التي تجمع أطراف الموضوع. وعليه فإن النص لا يحتاج تصريحاً منفصلاً يقول إن الظروف هي الفاعل، لأن البنية اللسانية مع السياق الموضوعي تقرر ذلك بوضوح تام.
إن القتال في المنظومة القرآنية ليس حكماً مطلوباً لذاته، وإنما هو حكم ظرفي طارئ مرتبط بوجود العدوان. فإذا حصل عدوان وجب القتال، وهذا يعني منطقياً وواقعياً أن فعل الاعتداء هو الذي جعل حكم القتال واجباً، وفي حال توقف العدوان يتوقف حكم القتال تلقائياً لانقضاء موجبه.
ومن هنا تتجلى الدقة اللسانية البالغة في استخدام الفعل المبني للمجهول في قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ} (البقرة : ٢١٦). فهذا البناء الدلالي هو الذي دل على تغير المعطيات والظروف، وجعل الأمر خاضعاً للاختيار والتقدير الميداني، لأن القتال بحد ذاته قد يتوقف ويتم التحول إلى الهدنة أو الصلح إذا اقتضت مصلحة الأمة ذلك. وهذا يبرهن برهاناً قاطعاً على أن فعل (كُتِبَ) بصيغته هذه يدل على تعدد احتمالات الحلول المتاحة، ويوجب دائماً الانتقال إلى الخيار الأحسن والأنفع وفقاً لما تفرضه معطيات الواقع المتغيرة. فمحصلة السياق القرآني وبنية اللفظ هما النص الدال بوضوح على أن الواقع هو الذي يفرض الحكم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
س4- أين قال القرءان إن الصيام كُتِبَ بسبب ظروف الواقع؟ وما هي تحديدًا تلك الظروف، وهل ذكرها القرءان؟
س5- إذا كانت آيات ((كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ)) لا علاقة لها بصيام رمضان، فكيف نفصلها عن السياق المتصل الذي ينتهي بذكر شهر رمضان؟
س6- لماذا استخدم القرءان «الصيام» في قوله: ((كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ))، ثم إستخدم من الجذر نفسه ((فَلْيَصُمْهُ))، أليس السياق يجمع بينهما؟
ينطلق فهم النص القرآني هنا من قاعدة منهجية صارمة ترفض القول بالنَّسْخ الباطل، وتعتمد الترتيل البنيوي الذي ينتقل فيه الخطاب من (العام) إلى (الخاص) دون إبطال لأي منهما، وتتضح الإجابة في المحورين الآتيين:
أولاً: فاعل (كُتِبَ) وغياب الحصر لظروف الواقع
إن البناء للمجهول في قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} (البقرة : 183) يدل على أن الفاعل هو “معطيات الواقع” الشخصية والاجتماعية التي تضغط على الإنسان وتلجئه إلى اتخاذ قرار الإمساك. ولأن هذه الظروف متغيرة ومفتوحة زمكانياً (كالغلاء، والضغوط الاجتماعية، والأزمات الصحية)، فإن القرآن لم يحصرها في قائمة مغلقة، بل شرع “الصيام” كعلاج وقائي وموقف عملي، وربطه بالغاية الوظيفية المباشرة في قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة : 183)، أي لاتقاء الأذى والفساد ودفع الضرر. فالقرآن أعطى القاعدة الكلية، وترك للإنسان استثمارها حسب ما يطرأ من ظروف في أي مجتمع.
ثانياً: الاتصال السياقي والانتقال من العام إلى الخاص
لا يوجد فصل تعسفي بين الآيات، بل يوجد انتقالٌ منطقيٌّ محكمٌ؛ فالنص الأول أقر مبدأ الصيام العام المرتبط بالظروف لمعالجة الواقع ضمن {أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ} (البقرة : 184). ثم تدرج السياق متصلاً ليؤسس حكماً جديداً خاصاً ومستقلاً في مقصده ووقته، وهو قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ … فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} (البقرة : 185).
في هذا النص، انتقل الخطاب من الصيام الظرفي إلى توقيت صيام زماني محدد، وظهر الفاعل المُشرِّع صراحةً من خلال فعل الأمر المباشر والمُلزِم (فَلْيَصُمْهُ)، المرتبط بشرط الحضور الواعي (فَمَن شَهِدَ). فهذا ليس انقطاعاً للسياق، بل هو ضمٌّ لشهر رمضان تحت عموم مظلة الصيام، مع تخصيصه بحكم مستقل لا ينسخ ما قبله أبداً.
وبهذا الفهم المتين يسلم النص من دعوى التناقض أو النَّسْخ؛ فالصيام الظرفي لدفع الأذى أمره باقٍ وفعّال، وصيام رمضان واجب لمن شهده زمانياً. وتبقى رخصة قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} (البقرة : 184) مظلةً رحيمةً مستمرةً وشاملةً للنوعين، تتعلق حصراً بمن يبلغ الصيامُ معهم حدَّ استنفاد القوة وتجاوُز الطاقة الكامنة (أطاق يُطيق) فيشق عليهم، فينتقلون حينها للحكم البديل وهو الفدية.
ثالثاً: إنّ اتحاد الجذر اللساني بين قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} (البقرة : ١٨٣) وقوله: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} (البقرة : ١٨٥) هو دليل إعجاز ودقة، وليس مبرراً لخلط الأحكام؛ فالجذر الواحد يثبت (وحدة الفعل) من حيث طبيعته المادية، لكنه لا يعني أبداً التطابق في (الجهة الآمرة) ولا في (طبيعة الحكم).
لقد استخدم القرآن الكريم المصدر (الصِّيَامُ) في الآية الأولى للدلالة على ماهية الفعل المجرد (وهو الإمساك والامتناع)، وجعله حكماً عاماً مفتوحاً تحركه معطيات الواقع وظروفه لدفع الأذى. ولأن فعل الإمساك واحد في بنيته وحقيقته، استخدم القرآن من ذات الجذر فعل الأمر (فَلْيَصُمْهُ) في الآية اللاحقة.
نعم، السياق يجمع بينهما من حيث إن صيام رمضان ينضوي تحت المظلة الكبرى لمفهوم (الصيام) العام، لكن هذا الجمع السياقي هو انتقال من (العام الظرفي) إلى (الخاص الزماني). فالأول (الصيام) جاء بصيغة المبني للمجهول المرتبط بالواقع، والثاني (فَلْيَصُمْهُ) جاء بصيغة فعل الأمر المباشر الصريح من المُشرِّع المرتبط برؤية زمان محدد (شَهْرُ رَمَضَانَ). فاتحاد الجذر اللساني يقرر وحدة الفعل (الإمساك)، واختلاف المبنى من المصدرية الظرفية إلى الوجوب يقرر استقلال الحكمين وتميز الفاعل فيهما.
ـــــــــــــــــــــــــــ
س7- إذا كان الصيام إختيارًا بين الصيام والفدية، فلماذا قال القرءان بعد ذلك: ((فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ))، وأين يظهر التخيير فيها؟
س8- إذا كانت الفدية خيارًا مفتوحًا لكل قادر، فما دلالة قوله تعالى: ((فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ))، ولماذا ربط القضاء بالمرض والسفر؟
إن هذين السؤالين ينطلقان من فرضية خاطئة تم اسقاطها على الطرح، حيث توهم أن الفدية (خيار مفتوح لكل قادر)، وهذا نقض صريح لما أثبتناه لسانيّاً ومنطقيّاً. وتتجلى الإجابة المحكمة في تفكيك هذا الوهم عبر محورين:
أولاً: بطلان التخيير للمستطيع ودلالة الأمر الحتمية
لم نذكر قط أن الصيام خيار مفتوح للمستطيع، بل أثبتنا بالدليل أن كلمة (يُطِيقُونَهُ) لا تعني (يستطيعونه). فالفعل الرباعي (أطاق) يدل على بذل جهد شاق يتجاوز الطاقة الكامنة للإنسان ويستنزفها، بخلاف الفعل (طاق) المفتوح الذي يدل على المقدرة ضمن حدود الطاقة. وعليه، فإن رخصة الفدية في قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} (البقرة : 184) محصورة حصراً فيمن يشق عليهم الصيام مشقة بالغة مستمرة تفوق طاقتهم، وليست خياراً مفتوحاً للمستطيع.
وبناءً على هذا الضبط اللساني، يأتي قوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} (البقرة : 185) أمراً إلزاميّاً قاطعاً يوجب الصيام على المستطيع الذي يشهد الشهر، ولا يوجد فيه أي تخيير. التخيير المزعوم هو إشكال مصطنع نشأ من التفسير الخاطئ لمعنى الإطاقة، وحين يوضع اللفظ في دلالته الدقيقة، يثبت الوجوب المطلق على القادر، وينتفي التناقض المزعوم.
ثانياً: العلة في ربط القضاء بالمرض والسفر
إن التشريع القرآني محكم في تصنيف الحالات الإنسانية وفقاً للمقدرة. فقد ربط النص رخصة الإفطار مع وجوب القضاء بقوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (البقرة : 184) لأن المرض والسفر أعذار طارئة ومؤقتة تزول بطبيعتها. فمتى زال العارض، عادت للمكلف استطاعته، فوجب عليه القضاء أداءً لحق التكليف.
بينما الذين (يُطِيقُونَهُ) هم أصحاب المشقة الدائمة أو المستمرة التي تفوق الطاقة، ولذلك أسقط النص عنهم القضاء ونقلهم إلى الفدية التزاماً.
بهذا الترتيل المنهجي، تتكامل المنظومة التشريعية بامتياز دون نسخ أو اضطراب: فالقادر المستطيع ملزم بالصيام قطعاً، وصاحب العذر الطارئ يفطر ويقضي، ومن يتجاوز الصيام طاقته الكامنة إجهاداً يفدي. ولا وجود البتة لخيار مفتوح يبيح للقادر المستطيع ترك الصيام اكتفاءً بالفدية.
ــــــــــــــــــــــــــــ
س9- ما الدليل القرءاني الذي يثبت الفصل التشريعي بين “الصوم” و”الصيام”، وليس مجرد اختلاف الصيغة الصرفية؟
ينطلق المنهج اللساني القرآني من قاعدة صارمة ترفض التطابق المطلق بين الألفاظ المختلفة مبنىً؛ فالجذر اللساني يمتلك مفهوماً مركزياً واحداً (وهو الإمساك والامتناع في جذر صوم)، ولكن المعنى يتغير وتتحدد دلالته المادية أو المعنوية بتغير السياق، ومحل الخطاب، والصيغة الصرفية.
وعلى هذا الأساس المنهجي يتجلى الفرق القاطع بين (الصوم) و(الصيام):
أولاً: الدلالة المعنوية والشخصية لـ (الصوم)
تتعلق كلمة (الصوم) بالإمساك والامتناع المعنوي، وتحديدا الصمت عن الكلام. وهذا يمثل حالة شخصية، أو موقفا فرديا، وليس حكماً دينياً تشريعياً عاماً يلزم به المجتمع. ويتجلى ذلك بوضوح قاطع في قوله تعالى: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً} (مريم : ٢٦). فالصوم هنا هو امتناع عن الكلام، وهو نذر خاص بمريم عليها السلام، لا علاقة له بتشريع الإمساك المادي عن الطعام والشراب.
ثانياً: الدلالة المادية والاجتماعية لـ (الصيام)
أما كلمة (الصيام) بزيادة الألف والامتداد الصوتي فيها، فتدل على فعل مادي وحركي يتطلب وقتاً وجهداً، ويتعلق بالإمساك والامتناع ذي البعد الاجتماعي والتشريعي.
- ففي نص الإيجاب الظرفي: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} (البقرة : ١٨٣) تدل على الامتناع الاجتماعي كعلاج وقائي للتعامل مع معطيات الواقع الضاغطة (كغلاء أو فساد أو ضرر).
- وفي نص التكليف الزماني: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} (البقرة : ١٨٥) تتجسد الدلالة المادية للإمساك عن الطعام والشراب والمفطرات، كحكم تشريعي إلزامي متعلق بشهر رمضان.
الخلاصة:
إن الكلمة لها مفهوم جذري واحد يدور حول (الإمساك)، ولكن السياق ومحل الخطاب هما اللذان يفرزان المعنى؛ فالصوم امتناع معنوي وشخصي (كالصمت)، بينما الصيام امتناع مادي واجتماعي وتشريعي. والقول بترادفهما تطابقاً هو تعطيل لدقة اللسان القرآني وإهدار للفروق الوظيفية في المباني اللسانية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
س10- أين يضع القرءان التفريق الإصطلاحي بين الفرض والواجب؟
س11- وأين يقول إن ترك الصلاة والصيام لا يترتب عليه إثم؟
ينطلق فهم هذين السؤالين من تصحيح المفاهيم وتجريد النص القرآني من الإسقاطات الاصطلاحية المتأخرة، ووضع الألفاظ في إطار دلالتها اللسانية والمنطقية الدقيقة:
أولاً: التفريق الدلالي بين الفرض والوجوب
إن مصطلحات الفقه الموروثة التي تطابق بين الفرض والواجب لا تحكم النص القرآني، بل اللسان العربي ومحل الخطاب هما الحاكمان.
دلالة (الفرض) في اللسان العربي ترتبط حصرا بـ (العطاء الواجب) واقتطاع النصيب المحدد، ولذلك تجد أن القرآن الكريم يوظف مادة الفرض عندما يتعلق الأمر بالزكاة والصدقات والصداق (المهر) للمرأة، لأنها أموال تقتطع وتعطى للغير. ويتجلى ذلك بوضوح في قوله تعالى في شأن الصدقات: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ… فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ} (التوبة : ٦٠)، وفي شأن صداق النساء: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} (البقرة : ٢٣٧). فالفرض هنا هو العطاء المالي المقدر.
أما (الواجب)، فلم يأت في القرآن كصيغة اصطلاحية مجردة لتصنيف الأحكام، وإنما يتحقق الوجوب في النص من خلال مجيء (أمر لازم). فإذا اقترن هذا الأمر اللازم بتهديد أو عقوبة صريحة على تركه، أصبح أمرًا واجبًا تترتب على تاركه المحاسبة والمسؤولية.
ثانيًا: الخطأ الأصولي في سؤال نفي الإثم عن ترك الصلاة والصيام
إن طرح السؤال بصيغة: (أين يقول القرآن إن ترك الصلاة والصيام لا يترتب عليه إثم؟) يمثل خطأ أصوليًا ومنطقيًا فادحًا. فالقاعدة المنطقية الصارمة تقرر أن المطالب بتقديم الدليل هو (المثبت) للإثم والمسؤولية والعقوبة، وليس (النافي) لها، والأصل نفي التكليف والمسؤولية إلا بنص.
وباستقراء النص القرآني، لا يوجد فيه البتة أي ذكر لإثم أو عقوبة على من يترك الصلاة التعبدية أو صيام رمضان.
ولكن، يجب الانتباه إلى أن انتفاء العقوبة والإثم لا ينفي عنهما صفة (الواجب)، وذلك لأن الواجب في المنظومة القرآنية ينقسم من حيث طبيعته وأثره إلى نوعين:
النوع الأول: واجب لازم شخصي وأخلاقي؛ وهو فعل مطلوب يثاب فاعله ويرتقي به، ولكنه لا يتضمن على تركه أي عقوبة أو إثم، لأنه متعلق بالبناء الروحي للفرد وتزكيته الخاصة، وهذا هو محل الصلاة التعبدية وصيام رمضان.
النوع الثاني: واجب متعد للمجتمع؛ وهو الواجب المرتبط بحفظ الحقوق ودفع المظالم وسلامة المجتمع (كإنقاذ الغريق، ومساعدة المحتاج ودفع العدوان)، وهذا النوع يترتب على تركه إثم وعقوبة ومسؤولية، لأن تركه يلحق الضرر بالآخرين ويفسد الواقع.
وبهذا التفكيك المنهجي يتبين أن القرآن يحمل دلالاته في تراكيبه، وأن الواجب الشخصي التعبدي مطلوب للإرتقاء لا للتهديد، وأن الفرض متعلق بالعطاء المادي، فلا تعارض ولا نقص، بل إحكام لساني ومنطقي مطلق.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
س12- كيف نفهم قوله تعالى: ((إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا)) إذا كانت الصلاة مجرد توصية لا إلزام فيها، وما معنى “كتابا” و”موقوتا” هنا؟
إن فهم قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً} (النساء : ١٠٣) يتطلب الخروج من أسر الفهم الطقوسي المجرد، وإرجاع الجملة إلى سياقها الحيوي المتكامل، وتفكيك دلالاتها اللسانية والوظيفية.
أولاً: السياق ودلالة أنواع الصلاة فيه
يقول تعالى في سياق الحالة العسكرية (صلاة الخوف): {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً} (النساء : ١٠٣).
يتعامل النص مع ثلاث دلالات للصلاة:
١- صلاةٌ تُقضَى (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ): وهي هنا إنهاء حالة “الصلة التنظيمية المؤقتة” التي فرضتها ظروف المعركة.
٢- ذكرٌ عملي ميداني بديل: وهو الانتقال من التشكيل القتالي المؤقت إلى منهج إدارة الصراع والمواجهة (القيام: للتنفيذ الميداني. القعود: لتحليل العمليات. على الجنوب: للتخطيط الاستراتيجي).
٣- صلاةٌ تُقام (فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ): وهي العودة إلى تأسيس “الصلة الاجتماعية المستقرة” التي تعطلت بسبب الحرب، بمجرد زوال الخوف وحلول الأمان.
ثانياً: معنى (كتاباً) و(موقوتاً)
تأتي جملة {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً} كخاتمة حاكمة تربط الصلاة المقضية (الطارئة) بالصلاة المقامة (المستقرة):
- (كتاباً): لا تعني هنا الإلزام القهري بعقوبة، بل تعني أنها نظام مجتمع، ومنهج مكتوب، ومنظومة تشريعية متكاملة تحفظ كيان المؤمنين.
- (موقوتاً): لا تعني حصرها في التوقيتات اليومية الخمسة للساعة الزمنية، بل تعني أن هذا النظام مرتبط بـ “الوقت” بمعناه الظرفي والواقعي.
الخلاصة:
الصلاة التعبدية هي واجب وجداني للتزكية، بينما الصلاة هنا (كتاب موقوت) تعني أن الصلاة بوصفها “منظومة صلة اجتماعية وتنظيمية” هي نظام محكم (كتاب) يتكيف ويتحدد شكله حسب “ظرف الوقت” (موقوت)؛ ففي وقت الخوف تأخذ شكل التنظيم القتالي والطوارئ، وفي وقت الأمان تعود إلى شكل إقامة الصلة الاجتماعية المستقرة. فهي ليست مجرد توصية، بل هي “نظام مؤسسي” يحكم حركة المؤمنين في كل ظرف بحسب مقتضياته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
س13- هل يمكن بناء قاعدة تقول إن ((كُتِبَ عَلَيْكُمْ)) تعني دائما الإختيار، وتطبيقها على جميع مواضع القرءان دون تغيير معناها؟
إن حصر دلالة التركيب القرآني في صيغة (كُتِبَ عَلَيْكُمْ) في كلمة اصطلاحية مجردة كـ (الاختيار)، يمثل خللاً منهجياً يخلط بين التخيير العبثي أو التشهي المطلق، وبين حيوية التشريع في التعامل مع الواقع. والحق أنه يمكن، بل يجب، بناء قاعدة كلية مطردة تنطبق على جميع مواضع (كُتِبَ عَلَيْكُمْ) في القرآن الكريم دون أن يتخلف معناها البتة، ولكن هذه القاعدة لا تنبني على الاختيار المجرد، بل تنبني على مفهوم (الاستجابة الحتمية لمعطيات الواقع مع تعدد الحلول للتعامل معه).
أولاً: القاعدة اللسانية والمنطقية لصيغة (كُتِبَ عَلَيْكُمْ)
دلالة الجذر (كتب) تفيد ضغطاً ودفعاً ينتهي بجمع واستقرار، وبناء الفعل لما لم يسم فاعله (المبني للمجهول) يدل دلالة قاطعة على أن هذا الضغط متولد من (معطيات الواقع) ومتغيراته. وبناء على ذلك، فإن القاعدة الكلية الصارمة هي:
إن كل حكم ورد بصيغة (كُتِبَ عَلَيْكُمْ) هو (حكم ظرفي) تفرضه معطيات الواقع (كالعدوان، أو القتل، أو الأزمات، أو حضور الموت)، ولأن الواقع متغير ومتعدد الحالات بطبيعته، فإن التشريع يطرح معه (مصفوفة من الحلول والخيارات) تتيح للمجتمع والمكلف المناورة والانتقال من الحد الأدنى أو الأعلى إلى الخيار الأحسن والأكثر نفعاً لدفع الضرر وجلب المصلحة.
ثانياً: اطراد القاعدة في القرآن الكريم
هذه القاعدة الحيوية تنطبق باطراد مطلق وتام على كل مواضع (كُتِبَ عَلَيْكُمْ) في القرآن الكريم، وتفسر تنوع الخيارات فيها دون أي تغيير أو ترقيع في دلالتها الأصلية:
١- في القتال: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} (البقرة : ٢١٦). الواقع المتمثل في العدوان هو الذي فرض الحكم إجباراً، ولأن القتال ليس غاية مطلوبة لذاتها بل وسيلة لردع المعتدي، فإن للمؤمنين خيارات متعددة بحسب الواقع والمصلحة، تتدرج من المواجهة العسكرية إلى الهدنة أو الصلح إذا جنح لها العدو وتوقف عدوانه، فالأمر خاضع للتقدير الميداني وتعدد الخيارات لدرء الخطر.
٢- في القصاص: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} (البقرة : ١٧٨). جريمة القتل في الواقع هي التي فرضت الحكم الحدي الأعلى (القصاص) لحقن الدماء وحفظ المجتمع، ولكن التشريع فتح الباب في ذات النسق للتحول إلى خيار أحسن وأسمى يحفظ الحياة وهو (العفو والصلح)، مما يؤكد حيوية التشريع وتعدد حلوله.
٣- في الوصية: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} (البقرة : ١٨٠). الواقع هنا هو دنو الأجل وترك المال، ففرض الواقع على المورث أن يوصي منعاً للنزاع العائلي، وللموصي هنا مساحة من الخيار المتعدد في تحديد المقدار والجهة ضمن الإطار العام للعدل، وللورثة كذلك خيار الإصلاح بين الأطراف إن وقع جنف كما نصت الآيات التي تليها، فالأمر دائر مع معطيات الواقع وخيارات معالجته.
٤- في الصيام: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} (البقرة : ١٨٣). الأزمات والضغوط في الواقع تفرض الإمساك الفردي والاجتماعي علاجاً ووقايةً، والخيارات تتعدد لتشمل من يطيقونه إطاقةً (أي يجهدهم إجهاداً يتجاوز الطاقة الكامنة) فينتقلون لخيار الفدية رفعاً للحرج.
الخلاصة
القرآن لا يقدم في صيغة (كُتِبَ عَلَيْكُمْ) تخييراً عبثياً يعفي المكلف من المسؤولية، بل يقدم (إلزاماً ظرفياً) يفرض على المكلفين مواجهة الواقع المتغير بقوة وحزم، ويمنحهم في الوقت ذاته (تعدد الحلول) للتعامل مع هذا الواقع واختيار الأحسن والأنفع دوماً. هذه هي القاعدة القرآنية اللسانية المطردة التي لا تتخلف في أي موضع، وهي تسقط كل تناقض متوهم وتبرهن على الإحكام المطلق لآيات الكتاب.



اضف تعليقا