الهندسة اللسانية والمنطقية للعلاقة بين الكتاب والقرءان
الهندسة اللسانية والمنطقية للعلاقة بين الكتاب والقرءان
يقوم الخطاب القرءاني على اختلاف المباني باختلاف الوظائف، ولذلك لا يستقيم التعامل مع الكتاب والقرءان بوصفهما متطابقين من كل جهة. والعلاقة بينهما هي علاقة عموم وخصوص: فالقرءان كتاب، لكن ليس كل ما في الكتاب قرءانًا من جهة التصنيف الموضوعي، مع إمكان إطلاق اسم القرءان على الخطاب المنزل كله بوصفه اسمًا علمًا له.
الكتاب بوصفه المنظومة الجامعة
يرتبط مبنى الكتاب بالجذر «كتب»، بما يحمله من معنى الجمع والضم والتنظيم، ولذلك يدل على المنظومة الجامعة التي تنتظم فيها موضوعات الخطاب المختلفة.
ويضم الكتاب مجالين رئيسين: مجالًا يتعلق بالإيمان والقيم والأحكام والسلوك، ومجالًا قرءانيًا يتعلق بالأنباء والسنن والآفاق والأنفس والتاريخ وما يستدعي القراءة والتدبر واكتشاف العلاقات.
ومن هنا لا يعني وصف الخطاب كله بأنه «كتاب» أن جميع آياته تشريعية، كما لا يعني تسميته كله «قرءانًا» أن جميع موضوعاته قرءانية بالوظيفة نفسها، لأن اسم الكل لا يلغي اختلاف أقسامه الداخلية.
القرءان بوصفه مجال القراءة والمعرفة
يرتبط مبنى القرءان بالجذر «قرأ»، المتصل بجمع المادة والنظر في علاقاتها واستخراج ما تكشفه من دلالات، ولذلك يختص من جهة التصنيف بالنصوص التي تعرض الأنباء والسنن والآيات الكونية والتاريخية والآفاق والأنفس
فالغاية من هذه النصوص ليست مجرد الإخبار، وإنما تحويل الواقعة أو الظاهرة إلى مادة للقراءة والتدبر والاعتبار، بحيث ينتقل الإنسان من الحدث إلى سنته، ومن الظاهرة إلى علاقتها، ومن الأثر إلى ما يكشفه.
وبذلك تكون العلاقة:
الكتاب أعم، والقرءان قسم معرفي داخله، مع بقاء «القرءان» اسمًا علمًا للخطاب المنزل كله.
﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ﴾ وهداية المتقين ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: 2).
اختيار الكتاب هنا يناسب جهة المرجعية التي تضبط إيمان الإنسان وسلوكه وقيمه وأحكامه، لأن التقوى لا تتحقق بمجرد امتلاك معلومة، بل من خلال قبول الهداية والتقيد بمقتضاها.
فالهداية معروضة للناس، كما قال تعالى: ﴿هُدًى لِّلنَّاسِ﴾ (البقرة: 185)،
لكن وصفها هنا بأنها ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ يتعلق بمن استجاب لها وحولها إلى موقف وسلوك ووقاية.
ومن هذه الجهة يرتبط كتاب الإيمان والأحكام ببناء الإنسان المتقي، لأنه يحدد له ما يعتقده وما يلتزم به وما يمتنع عنه، ويضبط استعمال حريته في الواقع.
﴿هَٰذَا الْقُرْآنَ﴾ والهداية المعرفية ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: 9).
يأتي القرءان هنا من جهة القراءة التي تكشف الطريق الأقوم، فلا يقتصر الأمر على تلقي الحكم، بل يمتد إلى النظر والتدبر وربط الآيات والوقائع والسنن.
ولا يعني ذلك أن «الأقوم» محصور في المعرفة الكونية أو التاريخية، وإنما أن اسم القرءان يبرز جهة الفعل المعرفي الذي يقوم على القراءة والكشف والاعتبار.
وبذلك لا يكون الفرق بين ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ﴾ و﴿هَٰذَا الْقُرْآنَ﴾ فرقًا بين نصين، بل بين جهتين وظيفيتين داخل الخطاب الواحد: جهة المرجعية والالتزام، وجهة القراءة والكشف.
النبأ والخبر
يجب كذلك التفريق بين النبأ والخبر.
فالخبر أوسع، لأنه يشمل كل إخبار عن حال أو صفة أو فعل أو واقعة، ولذلك قد يكون النص خبريًا من غير أن يكون قرءانيًا من جهة التصنيف الموضوعي، كالإخبار عن صفات المؤمنين أو غيرهم أو عن موقف من المواقف.
أما النبأ فهو خبر عن واقعة ذات شأن ودلالة، لا يقف عند نقل الحدث، بل يفتح مجال القراءة والاعتبار واستخراج العلاقات والسنن، ولذلك ينتمي إلى المجال القرءاني.
وعليه: كل نبأ خبر، وليس كل خبر نبأ.
كما أن:
كل نبأ يدخل في المجال القرءاني، أما الخبر فقد يكون قرءانيًا، وقد يكون متعلقًا بكتاب الإيمان والأحكام بحسب موضوعه ووظيفته.
الخلاصة
الكتاب هو المنظومة الجامعة التي تضم مجالات الخطاب المختلفة، والقرءان قسم معرفي داخلها يقوم على القراءة والتدبر في الأنباء والسنن والآفاق والأنفس والتاريخ، مع بقاء اسم القرءان علمًا على الخطاب المنزل كله.
ومن هذا يظهر الفرق الوظيفي بين:
﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ… هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ و ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾.
فـ «ذلك» لا تقتصر دلالتها على البعد المكاني، بل تستعمل أيضًا في تعيين مرجع حاضر في الوعي مع فصله عن مجرد الحضور المباشر، ولذلك ناسبت الكتاب من جهة كونه منظومة مرجعية يُرجع إليها ويُلتزم بما فيها من إيمان وقيم وأحكام، فجاءت الهداية هنا متصلة بالمتقين الذين قبلوا هذا الهدى وحولوه إلى سلوك.
أما «هذا» فتدل على القريب الحاضر أمام المتلقي، ولذلك ناسبت القرءان من جهة كونه خطابًا حاضرًا للقراءة والتدبر والنظر، يهدي إلى الطريق الأقوم من خلال كشف العلاقات والسنن والدلالات.
فالفرق بين «ذلك الكتاب» و«هذا القرءان» ليس فرقًا بين نصين، بل بين جهتين في الخطاب الواحد: جهة المرجعية والالتزام في الكتاب، وجهة الحضور والقراءة والتدبر في القرءان.
samer Islamboli2026-08-29T13:00:10+03:00
شارك المحتوى على مواقع التواصل
اضف تعليقا