أيام الله في القرآن: قراءة دلالية وفق السياق والترتيل

قال تعالى(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) (إبراهيم: 5).

يفرض مصطلح (أيام الله) فهمه من داخل الاستعمال القرآني نفسه، لا من خلال حصره مسبقًا في النعمة أو العذاب. فالآية تجعل التذكير بأيام الله جزءًا من مهمة موسى في إخراج قومه من الظلمات إلى النور، ثم يكشف السياق المباشر طبيعة هذا التذكير في قوله(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ) [إبراهيم: 6]. فاليوم هنا ليس مجرد وحدة زمنية حسابية، وإنما واقعة تاريخية أو مرحلة زمنية فاصلة تجلت فيها فاعلية الله في حياة قوم كاملين، حين انتقلوا من الاستضعاف والاستعباد إلى النجاة.

ويؤكد الترتيل القرآني هذا المعنى في قوله تعالى(وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) [آل عمران: 140]. فالمقصود ليس تداول الوحدات الزمنية، وإنما تداول الأحوال والمواقع التاريخية: قوة وضعف، نصر وهزيمة، صعود وسقوط. وكذلك قوله(فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ)[يونس: 102]، حيث ترتبط «الأيام» بمصائر الأمم ووقائعها الحاسمة، لا بمجرد مرور الزمن.

ويأتي الموضع الآخر لعبارة (أيام الله) ليمنع اختزالها في أيام النعمة وحدها: (قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [الجاثية: 14]. فقد ارتبطت أيام الله هنا بالجزاء وبما يكسبه الناس، فدخل فيها يوم ظهور نتيجة العمل والحكم على الفعل. وبجمع المواضع يتضح أن الجامع بين أيام النجاة وأيام الأخذ وأيام الجزاء هو ظهور فاعلية سنن الله وحكمه في الزمن بصورة تتحول معها الواقعة نفسها إلى آية.

وعليه فإن أيام الله هي المحطات الزمنية الفاصلة التي تظهر فيها سنن الله وفاعليته وحكمه في مسار الإنسان والمجتمعات ظهورًا بيّنًا، فيكون الحدث نفسه آية دالة على النظام الذي يحكم حركة التاريخ والوجود.

وهذا المعنى يفسر قوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ) فالتذكير بالحدث التاريخي ليس مطلوبًا لذاته، وإنما لأن الحدث يكشف ما وراءه من سنن. نجاة المستضعف تكشف أن الاستضعاف ليس قدرًا أبديًا، وسقوط المتجبر يكشف أن القوة ليست مطلقة، وتبدل الأحوال يكشف أن حركة التاريخ محكومة بنظام، والجزاء يكشف أن الأفعال لا تنفصل عن نتائجها.

ومن هنا جاء وصف المتلقي بـ (صَبَّارٍ شَكُورٍ). فحركة أيام الله تقوم على تعاقب أحوال مختلفة؛ الشدة تحتاج إلى الصبر، والتحول من الشدة إلى النعمة يحتاج إلى الشكر. والصبار الشكور هو الذي يقرأ المنظومة كاملة، فلا يفقد إدراك السنن زمن المحنة، ولا ينسب النعمة إلى ذاته بعد انكشاف الفرج.

كما أن إضافة الأيام إلى الله في قوله )أيام الله) ليست إضافة ملكية مجردة، لأن كل الأيام لله أصلًا، وإنما هي إضافة تمييز واختصاص دلالي؛ أي أيام تتميز بظهور فعل الله وسننه فيها بصورة تجعلها علامات تاريخية واضحة على حكمه في الوجود.

ولهذا ترتبط عبارة (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ) ارتباطًا مباشرًا بالأمر السابق: (أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ). فالانتقال من الظلمات إلى النور لا يقتصر على الاعتقاد، بل يتضمن الانتقال من القراءة السطحية للتاريخ إلى قراءة الأحداث بوصفها آيات محكومة بسنن. ومن لا يرى إلا الأشخاص والجيوش والأسباب القريبة يرى سطح الحدث، أما من يقرأ أيام الله فإنه يدرك النظام الذي يعمل من خلال هذه الأسباب.

وتشمل أيام الله الماضي والحاضر والمستقبل؛ فهناك أيام مضت يُذكَّر بها الإنسان للاعتبار، وأيام تقع في حركة المجتمعات، وأيام آتية يظهر فيها الجزاء. ويكون اليوم الآخر الذروة النهائية لهذا المفهوم، لأنه اليوم الذي تظهر فيه نتائج منظومة الوعي والعمل والمسؤولية والعدل بصورة مكتملة، من غير أن يكون مصطلح «أيام الله» منحصرًا فيه وحده.

وبذلك تكون أيام الله ذاكرة السنن في التاريخ؛ فهي ليست مجرد تواريخ يُحفظ زمن وقوعها، بل وقائع كبرى تكشف للإنسان أن حركة الوجود ليست عبثًا، وأن النصر والهزيمة والنجاة والسقوط والجزاء تجري داخل منظومة لها قوانين وغايات. ومن هنا كان التذكير بها جزءًا من إخراج الإنسان من الظلمات إلى النور، لأن معرفة السنن تحرره من وهم العشوائية وتجعله يقرأ الواقع في ضوء النظام الذي يحكمه.