قراءة نقدية

في الخطاب التراثي والشرك في حاكمية الله

كتب الأخ Sami Rassaa    منشور يدعي أنه نقد لمنكري السنة  بعنوان:

عندما يصبح إنكارُ الروايةِ روايةً جديدة!

       قراءة نقدية في تناقضات الخطاب التنويري ومنكري السنة.

وهذه أهم النقاط التي عرضها في منشوره

  1. اتهام منكري السنة بالتناقض المنهجي: يرفضون الروايات الحديثية القديمة بحجة ضعف الثقة بها، لكنهم يقبلون سرديات حديثة عن الإسلام والتاريخ دون مستوى مماثل من التوثيق.

  2. الدفاع عن موثوقية منهج الحديث: يرى الكاتب أن البخاري والمحدثين لم يعتمدوا على نقل عشوائي، بل على منظومة تشمل الإسناد، وفحص الرواة، والتحقق من السماع، ومقارنة الروايات ونقدها.

  3. التأخر الزمني للبخاري لا يعني أن الروايات بدأت معه: فالروايات ـ بحسب الكاتب ـ كانت منقولة عبر طبقات سابقة من الرواة، والبخاري جاء جامعًا وناقدًا لها لا منشئًا لها.

  4. اعتبار علم الحديث منهجًا نقديًا بالغ الدقة والتميز تاريخيًا: ويزعم الكاتب أن علوم الإسناد والجرح والتعديل تكاد تكون بلا نظير من حيث التفصيل، وأن بعض المستشرقين أقروا بذلك.

  5. نقد السرديات الحداثية البديلة: يتهم بعض الطروحات التنويرية بأنها تعتمد على الافتراض والتخمين وإسقاط المفاهيم الحديثة على الماضي، مع افتقارها أحيانًا إلى مصدر تاريخي واضح.

  6. مشكلة رفض المصادر التراثية ثم إعادة بناء التاريخ منها: يسأل الكاتب: إذا كانت المصادر القديمة كلها موضع شك أو تزوير، فمن أين يمكن الحصول على «التاريخ الصحيح» الذي تقوم عليه السردية البديلة؟

  7. الشك الانتقائي: يرى أن بعض النقاد يشددون في الشك تجاه المحدثين والفقهاء والمؤرخين القدماء، لكنهم لا يطبقون الدرجة نفسها من النقد على المفكر أو الكاتب المعاصر الذي يوافق رؤيتهم

ــــــــــــــــ

نقد المنشور وتبين تهافته

محل النزاع ليس مكانة الرسول، ولا قيمة دراسة الأخبار، ولا صدق المحدثين في اجتهادهم؛ وإنما السؤال الذي يسبق ذلك كله: بأي دليل نثبت أن قولًا ما صدر عن الرسول، ثم بأي دليل نرفعه من خبر تاريخي محتمل إلى حكم ديني ملزم عن الله؟

   فالقاعدة الأصولية أن الدعوى على قدر دليلها، وأن النتيجة لا تكون أقطع من مقدماتها. فإذا كان الطريق إلى الرواية قائمًا على نقل البشر، وذاكرتهم، وتقدير عدالتهم، وترجيح النقاد بينهم، فغاية ذلك ـ إن صح ـ ترجيح تاريخي، لا عصمة تشريعية. والقرآن يجعل البرهان أصلًا: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾، وينهى عن اتباع ما لم يثبت علمه: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾.

وعليه فالسؤال ليس: هل للسند منهج؟ بل: هل هذا المنهج يثبت النسبة إلى الرسول بالدرجة التي تجيز أن نقول للناس: هذا دين الله؟

  1. اتهام منكري السنة بالتناقض المنهجي

حتى لو ثبت أن بعض ناقدي الحديث يصدقون سرديات معاصرة بلا دليل، فهذا يثبت تناقضهم هم، ولا يثبت صحة حديث واحد.

هذه مغالطة صرف النظر عن الدعوى إلى حال الخصم؛ لأن بطلان حجة معارضك لا يحوّل حجتك إلى برهان.

والقرآن لم يقل: أثبت قولك بعجز خصمك، وإنما قال: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾.

فالإلزام الصحيح هو:
دعك من الحداثيين؛ ما برهانك أنت على أن هذه الرواية قالها الرسول؟

  1. الدفاع عن موثوقية منهج الحديث

دقة المنهج لا تعني عصمة النتيجة.

فعلم الرجال نفسه يعتمد على أخبار عن الرجال، وإثبات السماع يعتمد على نقل تاريخي، وتصحيح الراوي وتضعيفه اجتهاد بشري قد يختلف فيه النقاد.

إذن نحن أمام ترجيح بشري لخبر بشري، لا أمام طريق وحي مستقل.

والخلط هنا بين أمرين: صلاحية المنهج للترجيح التاريخي وكفايته لإيجاب حكم ديني باسم الله.

القرآن أمر بالتبين في الخبر: ﴿فتبينوا﴾، لكنه لم يقل إن توثيق الناقل يجعل خبره وحيًا أو تشريعًا.

فالإلزام:
أثبت أولًا أن عدالة الناقل تستلزم صدق كل ما نقله، ثم أثبت أن رجحان صدق الخبر يكفي لنسبته تشريعًا إلى الله.

  1. التأخر الزمني للبخاري لا يعني أن الروايات بدأت معه

صحيح أن الروايات سبقت البخاري، لكن هذا لا يثبت أنها سبقتْه صحيحةً محفوظةً عن الرسول.

فقدم الرواية يثبت وجودها في زمن سابق، ولا يثبت منشأها الأول.

والسلسلة الطويلة لا تحل المشكلة؛ بل تجعل كل حلقة محتاجة إلى إثبات مستقل. فإذا كان احتمال الخطأ قائمًا في كل طبقة، فلا يتحول مجموع الاحتمالات بمجرد اتصال الأسماء إلى يقين.

إذن السؤال ليس: متى ظهرت الرواية؟
بل: كيف ثبت أن أول السلسلة هو الرسول فعلًا؟

وهنا يعمل الأصل القرآني: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾.

فالإلزام:
وجود الإسناد دليل على طريق تداول الخبر، لا برهان بذاته على صدق أصل الخبر؛ فأين الدليل المستقل على النسبة؟

  1. اعتبار علم الحديث منهجًا بالغ الدقة والتميز

هذه حجة لا تنتج المطلوب.

على افتراض أن علم الحديث أدق نظام تاريخي ظهر في زمانه، فـتفوق المنهج على غيره لا يساوي عصمته.

الطب قد يكون أدق من الطب القديم ولا يصبح معصومًا، والقضاء قد يكون بالغ الدقة ولا تصبح أحكامه مطابقة للواقع بالضرورة.

فمنطق الحجة هنا هو:

هل علم الحديث دقيق ومُسَلّم بنتائجه؟
هل ما صححه بعض المحدثين ظناً هو قول الرسول؟

وهل هذه النتيجة ملزمة لغيرهم من العلماء أو الأمة؟

إن اختلاف المحدثين أنفسهم في الرجال والأسانيد والتصحيح والتضعيف يثبت أن المجال اجتهادي ظني.

فالإلزام:
هات المقدمة المفقودة التي تجعل “دقة المنهج” مساويةً لـ”يقين النسبة إلى الرسول“.

  1. نقد السرديات الحداثية البديلة

إذا كان الكاتب يعيب على الحداثيين بناء النتائج على «لعل» و«ربما» والاحتمال، فعليه أن يقبل القاعدة نفسها حين تعود على الرواية.

فالظن لا يصبح علمًا لأن قائله محدث، كما أنه لا يصبح علمًا لأن قائله مستشرق.

قال تعالى: ﴿إن الظن لا يغني من الحق شيئًا﴾.

والميزان العادل واحد: لا نقدس ظن القديم ولا ظن الحديث.

بل نسبة حكم إلى الله أخطر من تقديم فرضية تاريخية؛ لأن الأول ينتج حلالًا وحرامًا وعقائد وأحكامًا باسم الله.

ولهذا قال تعالى: ﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب﴾.

فالإلزام:
إذا رفضت الاحتمال حين يستخدمه خصمك، فكيف تجعله ملزمًا في الدين حين تنتجه أدواتك أنت؟

  1. مشكلة رفض المصادر التراثية ثم إعادة بناء التاريخ منها

هنا توجد ثنائية زائفة: إما قبول التراث، وإما الجهل الكامل بالتاريخ.

الباحث لا يتعامل مع المصدر بهذه الطريقة؛ فقد يستفيد منه شاهدًا تاريخيًا دون أن يصدق كل خبر فيه.

والأهم أن الكاتب يخلط بين معرفة التاريخ وإثبات التشريع.

يمكن أن أرجح تاريخيًا وقوع حادثة دون أن أملك الحق في القول: هذا حكم الله الواجب على الناس إلى يوم القيامة.

فعتبة الإثبات في التشريع أعلى؛ لأنك لا تخبر عن الماضي فقط، بل تتكلم باسم الله.

ومن هنا يصبح السؤال الذي أهمله المنشور:

ما الدليل على أن الخبر التاريخي المرجح يتحول بمجرد ترجيحه إلى مصدر مستقل للحلال والحرام؟

  1. الشك الانتقائي

الكاتب محق في رفض الشك الانتقائي، لكن هذا الأصل ينقلب عليه إذا أوقف النقد عند أبواب التراث.

فلا يصح أن نطالب المفكر المعاصر بإثبات مقدماته، ثم نعفي المحدث القديم من المعيار نفسه بحجة مكانته أو شهرة مدرسته.

والقرآن أبطل الاحتجاج بالرجال والأسلاف في ذاتهم: ﴿بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا﴾.

فالقضية ليست قديمًا ضد حديث، ولا محدثًا ضد تنويري؛ وإنما الدليل ضد الدعوى.

السابق لا يصير حجة لأنه سابق، والمعاصر لا يصير حجة لأنه معاصر.

والقرآن وضع الأصل الحاكم: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم﴾.

فالإلزام النهائي لصاحب المنشور:

لا تُثبت لي أن المحدثين كانوا أدق من خصومهم؛ أثبت لي أولًا أن الرواية التي بين يديك ثبت أنها قول الرسول، ثم أثبت أن الله جعل هذا الطريق الظني حجة تشريعية ملزمة.

فهاتان هما القضيتان اللتان يقوم عليهما البناء كله؛ وإذا لم تَثبتا، فإن الحديث الطويل عن الرجال والأسانيد ودقة المحدثين يثبت وجود منهج تاريخي للاجتهاد في الأخبار، لكنه لا يثبت بذاته أن نتيجة ذلك الاجتهاد أصبحت دينًا منزلًا من الله.

الخلاصة

 أن الروايات وكتب التاريخ تبقى مصادر معرفية ظنية؛ نستفيد منها في فهم الماضي ونرجّح بها الوقائع، لكنها لا تتحول لمجرد ذلك إلى مصادر دينية منشئة للحلال والحرام والغيبيات والإيمانيات فالظني يبقى ظنيًا مهما دقّ منهج نقله، ولا يُنسب إلى الله دينٌ إلا ببرهان يليق بهذه النسبة.

أما القرآن فهو المصدر الديني الأوحد؛ لأنه النص الذي ثبت تاريخيًا انتسابه إلى المتكلم الأول به على نحوٍ قطعي، وهو نفسه يقدم برهانه على أنه من عند الله، فلا تتوقف حجيته على رواية متأخرة تثبت له سلطانه. ومن هنا يكون الفرق الجوهري: التاريخ والروايات مادة للمعرفة والترجيح، أما القرآن فمرجع الدين والتشريع.

وعليه، فليس السؤال: أي الروايات أقدم وأدق سندًا؟ بل السؤال الأصولي الحاسم: بأي حق نحول خبرًا ظنيًا عن الماضي إلى دين ملزم ننسبه إلى الله؟ فالبرهان هو الحد الفاصل بين المعرفة التاريخية وبين التشريع الإلهي.