دلالة ذلك في الخطاب القرءاني: بين اللزوم والتحديد والتمايز المعنوي

المدخل اللساني

شاع في الدرس النحوي تصنيف أسماء الإشارة وفق القرب والبعد، حتى استقر في الأذهان أن «هذا» للقريب و«ذلك» للبعيد، وأن استعمال الصيغة الثانية يستلزم وجود مسافة مكانية تفصل بين المتكلم والمشار إليه، غير أن استقراء الخطاب القرءاني يكشف قصور هذا الفهم، لأن الإشارة لا تتعلق بالأجسام والأماكن وحدها، وإنما تتناول الحقائق والمعارف والأقوال والأحداث والمواقف، وتؤدي وظائف متعددة في تعيين المشار إليه وتحديد علاقته بسياق الكلام.

فالمسافة المكانية ليست أصلًا حاكمًا على جميع استعمالات «ذلك»، وإنما هي إحدى الصور التي تتحقق فيها الإشارة، بينما يتحدد معناها في سائر المواضع بحسب طبيعة المشار إليه والعلاقة التي يقيمها الخطاب بينه وبين غيره، ولذلك لا يصح تحويل الاصطلاح النحوي الشائع إلى قاعدة دلالية مطلقة تسبق دراسة السياق وتحكم عليه.

البنية النحوية لـ«ذلك» ودلالة اللام

يتألف اسم الإشارة «ذلك» من ثلاثة عناصر، هي «ذا» لتعيين المشار إليه، واللام التي تتوسط البنية، وكاف الخطاب المتوجهة إلى المتلقي، وقد اصطلح النحاة على تسمية اللام «لام البعد»، وهي تسمية تصف أحد استعمالاتها، لكنها لا تستوعب جميع وظائفها الدلالية.

فاللام في هذا البناء تؤدي معنى اللزوم، أي تثبيت المشار إليه وتحديده في مقام معين، وإقامة علاقة تعيين وتمييز تمنع اختلاطه بغيره، أما طبيعة هذا اللزوم فتتحدد بالسياق، فقد يتعلق بموضع مكاني، وقد يتعلق بمنزلة معنوية، أو بحقيقة معرفية، أو بقول يراد فصله عن غيره، أو بحدث سبق عرضه وأصبح موضوعًا للإشارة والحكم.

ومن ثم لا تكون اللام مقيدة بالمسافة، بل يكون اللزوم هو الوظيفة الدلالية التي يتحقق من خلالها التعيين، بينما يحدد السياق جهة التمايز، أهي مكانية أم معنوية أم معرفية، وبذلك لا يُلغى استعمال «ذلك» في الإشارة المكانية، وإنما يُمنع اختزال بنيتها الدلالية في هذا الاستعمال وحده.

شواهد علماء النحو والبلاغة

لم يكن تجاوز المعنى المكاني للإشارة مجهولًا عند علماء اللسان والتفسير، بل تناول عدد منهم هذه المسألة صراحة، وبيّنوا أن استعمال «ذلك» لا يتوقف دائمًا على وجود مشار إليه بعيد في المكان.

فقد عرض ابن هشام الأنصاري في كتابه «أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك»، الجزء الأول، ص 124، الصياغة النحوية الموروثة بقوله: «وإذا كان المشار إليه بعيدًا لحقته كاف حرفية»، ثم ذكر إمكان زيادة اللام قبل الكاف، وهو وصف لبناء الصيغة في التصنيف النحوي، لكن هذا التصنيف لا يكفي وحده لتفسير دلالة الإشارة في جميع سياقات الخطاب.

أما جار الله الزمخشري فقد طرح في «الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل»، الجزء الأول، ص 36، سؤالًا بالغ الدلالة: «لم صحت الإشارة بذلك إلى ما ليس ببعيد؟»، ثم بيّن أن الكلام الذي سبق ذكره وانقضى يصح أن يُشار إليه بـ«ذلك»، لأن المتقضي في حكم المتباعد، ومثّل لذلك بمن يعرض حديثًا ثم يعود للإشارة إلى مضمونه بعد اكتماله. (

وهذا الشاهد يقرر أن الإشارة تتعلق بموقع المعلومة داخل تسلسل الكلام، ولا تتوقف على مسافة حسية، لأن المعنى المشار إليه قد يكون حاضرًا في وعي المتكلم والمخاطب، ومع ذلك تأتي الإشارة إليه بعد عرضه واكتمال دلالته.

ويذهب فخر الدين الرازي في «مفاتيح الغيب»، عند بحث دلالة اسم الإشارة، إلى نقد الحصر بصورة أوضح، إذ يقول: «لا نسلم أن لفظة ذلك لا يشار بها إلا إلى البعيد»، ثم يقرر أن اللام تدخل «لتأكيد معنى الإشارة»، ويميز بين أصل الوضع اللساني والاستعمال الذي استقر في العرف، فلا يجعل ما شاع بين الناس حاكمًا على جميع استعمالات اللفظ. (

وتتضح أهمية كلام الرازي في أنه لا يكتفي بإثبات استعمال معنوي للصيغة، بل يناقش أصل حصرها في المسافة، ويقرر أن الإشارة قد تؤدي وظيفتها دون إفادة البعد المكاني، وهو ما يفتح المجال للنظر في التعيين والتوكيد والتمايز بوصفها وظائف تتصل ببنية الإشارة نفسها.

كما يقرر أبو السعود في «إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم»، عند تفسيره لصيغة الإشارة، إمكان استعمالها مع قرب المشار إليه للدلالة على علو شأنه، فيقول: «وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه للإيذان بعلو شأنه»، وبذلك يبين أن البعد في الاستعمال قد يكون بعد منزلة، لا بعد مكان. (

وهكذا تتفق هذه الشواهد في تجاوز التفسير المكاني الحصري، وإن اختلفت في تعليل الوظيفة الدلالية، فالزمخشري يبرز علاقة الإشارة بما سبق من الكلام، والرازي يناقش أصل الحصر العرفي، وأبو السعود يبين التمايز الرتبي، بينما يبقى النظر في اللزوم والتحديد وسيلة لجمع هذه الاستعمالات ضمن بناء دلالي يضبطه السياق.

الإشارة إلى الله من جهة مقام الربوبية

قال تعالى: ﴿ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (يونس: 3).

جاءت الإشارة بعد عرض خلق السماوات والأرض وتدبير الأمر، لتعين الله بوصفه صاحب الخلق والتدبير والربوبية، فلا تتعلق الإشارة بتحديد موضع مكاني، وإنما بتثبيت حقيقة الربوبية وتمييز صاحبها عن كل ما يُعبد من دونه.

فاللزوم هنا معنوي معرفي، يتصل بتعيين الحقيقة التي انتهى إليها الاستدلال، ولذلك ترتب على الإشارة الأمر بالعبادة، حيث انتقل الخطاب من بيان الأفعال إلى تحديد صاحبها وإثبات ما يلزم عنها من استحقاق العبادة.

الإشارة إلى قول باطل وتمييزه عن الحق

قال تعالى: ﴿ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ (الأحزاب: 4).

جاءت الإشارة عقب الحديث عن الظهار والتبني، لتعين الأقوال التي أصدرها الناس وتفصل بينها وبين حقائق العلاقات الإنسانية، فالقول حاضر في واقع أصحابه، ولا توجد مسافة مكانية هي موضوع الحكم.

كما أن الإشارة لا تفيد التعظيم أو علو المنزلة، لأن المشار إليه قول ينتقده الخطاب ويقرر مخالفته للحق، وإنما تؤدي اللام وظيفة التحديد والتمايز، فيثبت القول بوصفه موضوعًا للحكم، ثم يفصل بين ما نطق به الناس وما يطابق الواقع.

وهذا الشاهد يحسم أن الوظيفة المعنوية للإشارة لا تعني التعظيم دائمًا، فقد تكون للتفريق والتمييز وإظهار مخالفة القول للحقيقة، ومن ثم يكون السياق هو الذي يحدد جهة اللزوم ودلالتها.

الإشارة إلى شيء حاضر في اليد

قال تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ﴾ (طه: 17).

هذا من أوضح الشواهد على عدم لزوم المسافة المكانية، لأن المشار إليه حاضر في يد موسى، وقد عيّن الخطاب موضعه بقوله ﴿بِيَمِينِكَ﴾، ومع ذلك جاءت صيغة «تلك» التي تتضمن اللام نفسها الموجودة في «ذلك».

فلو كان وجود اللام دليلًا لازمًا على المسافة البعيدة لوقع التعارض بين اسم الإشارة والموضع الذي صرحت به الآية، أما حين تُفهم اللام من جهة اللزوم والتعيين، فإن الإشارة تؤدي وظيفتها في تحديد الشيء المقصود وتمييزه عن سائر الموجودات.

ولذلك جاء الجواب: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ﴾ (طه: 18)، فالإشارة عيّنت الشيء الحاضر، والجواب بيّن ماهيته ووظائفه.

الإشارة إلى حقيقة عُرضت معطياتها

قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ (مريم: 34).

وردت الإشارة عقب عرض قصة مريم وولادة عيسى وما تضمنته من أخبار وأقوال، فجاء اسم الإشارة ليجمع المعطيات السابقة ويعين الحقيقة المتعلقة بعيسى، ويميزها عن التصورات التي نشأ حولها الامتراء.

فاللزوم هنا متعلق بتثبيت النتيجة المعرفية بعد عرض مقدماتها، ولا يتصل بمكان عيسى أو بالمسافة بينه وبين المخاطبين، بل بإحكام الصلة بين الخبر والحقيقة التي يقررها.

الإشارة إلى الأخبار والوقائع السابقة

قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ (يوسف: 102).

جاءت الإشارة بعد عرض قصة يوسف، فعادت إلى مجموع الأخبار التي سبق بيانها، وجمعتها في وحدة معرفية محددة، ثم قررت مصدر العلم بها.

فوظيفة «ذلك» هنا تثبيت المرجع الذي يعود إليه الحكم، وجمع الوقائع المتعددة في مضمون واحد معلوم من السياق، ولذلك لا تتطلب الإشارة وجود جسم مادي أو مسافة جغرافية.

ويظهر الاستعمال نفسه في قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ (الكهف: 82)، حيث تعود الإشارة إلى تفسير الوقائع الذي جرى بيانه، فتحدد النتيجة وتربطها بالأحداث السابقة، ويكون اللزوم متعلقًا بالصلة المعرفية بين الفعل وتأويله.

الإشارة إلى حدث حاضر

قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَٰلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ (ق: 19).

جاءت الإشارة عقب ذكر سكرة الموت، وهي الحدث الذي أصبح حاضرًا وواقعًا على الإنسان، فلا تقوم الإشارة على بعد الحدث عنه، وإنما على تعيينه بوصفه الحقيقة التي كان يتهرب من مواجهتها.

فاللزوم هنا يثبت العلاقة بين الحدث الواقع والموقف السابق منه، ويحدد ما كان الإنسان يحيد عنه حتى صار حاضرًا لا يستطيع دفعه، ولذلك لا يكون معنى الإشارة مسافة مكانية، بل تعيين حقيقة انكشف تحققها.

النتيجة اللسانية

يكشف الاستقراء القرءاني أن «ذلك» لا يشترط البعد المكاني، وأن تسمية اللام بحسب هذا الاستعمال وحده لا تستوعب وظائفها في بنيان الخطاب، لأن المشار إليه قد يكون حقيقة إلهية، أو قولًا باطلًا، أو شيئًا حاضرًا في اليد، أو خبرًا سابقًا، أو نتيجة معرفية، أو حدثًا وقع وأصبح حاضرًا.

وتؤدي اللام في هذا البناء وظيفة اللزوم التي تثبت التعيين وتحدد جهة التمايز، ثم يأتي السياق ليبين طبيعة العلاقة، فقد تكون مكانية، أو رتبية، أو معرفية، أو متعلقة بالفصل بين الحق والباطل، ولا يُعرف ذلك من الصيغة منفصلة عن موضوعها.

وقد عرف علماء النحو والبلاغة والتفسير استعمال «ذلك» خارج حدود المسافة، فليس نقد الحصر المكاني خروجًا على اللسان العربي، وإنما تحريرًا للدلالة من اختزالها في أحد استعمالاتها الشائعة.

فالقاعدة أن السياق هو الحاكم في تحديد دلالة الإشارة، وأن ما شاع في الاستعمال لا يجوز تحويله إلى معنى حصري يُفرض على جميع النصوص، لأن وظيفة «ذلك» هي تعيين المشار إليه وإقامة العلاقة اللازمة بينه وبين مقام الخطاب، أما جهة التمايز فتتحدد بما يقتضيه البنيان والسياق.