وقرن في بيوتكن الوقار في مركز البيت ونفي التبرج والاستعلاء
وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ
الوقار في مركز البيت ونفي التبرج والاستعلاء
يأتي قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ ضمن خطاب قرءاني متكامل يتناول مكانة زوجات النبي ومسؤولياتهن الأخلاقية والاجتماعية، وما يترتب على موقعهن من سلوك يتناسب مع دورهن في المجتمع. وقد شاع فهم هذا التوجيه على أنه أمر بالملازمة المكانية للمنازل، حتى تحول في بعض التصورات إلى أساس لمنع المرأة من المشاركة في الحياة العامة. غير أن دراسة الألفاظ في بنيانها اللساني، وربطها بسياقها القرءاني، يفتح مجالًا لفهم أوسع يتصل بالوقار والثبات في المرجعية الأخلاقية، ونفي التبرج بوصفه سلوكًا استعراضيًا يتجه نحو إبراز الذات والتعالي على الآخرين.
قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: 32-33].
تحديد المخاطبات في هذا النص ليس أمرًا ثانويًا؛ فقد افتُتح الخطاب بقوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ﴾، وجاء امتدادًا للآيات السابقة التي تناولت زوجاته وخيارهُن ومسؤولياتهن، ابتداءً من قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ [الأحزاب: 28]. وهذا ينسجم مع ما قرره النص سابقًا: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6]، وهو وصف يحدد موقع زوجات النبي من جماعة المؤمنين، وما يفرضه من اعتبار أخلاقي واجتماعي خاص. ولذلك لم يقل النص إنهن كسائر النساء، وإنما قرر تميز موقعهن بشرط التقوى، مما يجعل المسؤولية متناسبة مع المكانة، ويجعل السلوك الشخصي متصلًا بأثره في الجماعة.
وتأسيسًا على ذلك، فإن زوجات النبي هن المخاطبات ابتداءً بهذه التوجيهات، بوصفهن أمهات المؤمنين وصاحبات موقع متميز في المجتمع الذي تشكل حول الرسالة. أما الاستفادة من هذا الخطاب في المجتمعات اللاحقة، فتتحقق من جهة المبادئ الأخلاقية التي يمكن أن تسترشد بها النساء المتصدرات للشأن العام والقيادة الفكرية والاجتماعية، لا من جهة منحهن وصف أمهات المؤمنين أو نقل الأحكام الخاصة بزوجات النبي إليهن تلقائيًا. فالقدوة الأخلاقية قابلة للاعتبار، أما خصوصية الموقع فتظل مرتبطة بمن وصفهن النص به.
وتبدأ المعالجة اللسانية من قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ﴾. وقد ورد الفعل بقراءتين: فتح القاف وكسرها، وتُوجَّه قراءة الكسر من مادة «وَقَرَ»، الدالة على الوقار والسكينة والثبات، بينما تُوجَّه قراءة الفتح من القرار والاستقرار. وعلى قراءة الكسر يكون الأمر متصلًا بالتحلي بالوقار، أي بالحضور المتزن الذي تصدر عنه الأفعال والأقوال بعيدًا عن الخفة والاضطراب. والوقار ليس مجرد هيئة خارجية أو سكون جسمي، بل حالة من الثبات النفسي والسلوكي تنعكس على طريقة تعامل الإنسان مع الآخرين، وعلى ضبطه لدوافعه ومواقفه. أما معنى القرار فيؤكد جانب الاستقرار والثبات، ومن اجتماع الدلالتين في السياق يظهر أن المقصود ليس الانحباس أو تعطيل الفعل، وإنما تقرير حالة من الاستقرار والاتزان تتناسب مع مسؤولية المخاطبات.
غير أن تحديد مجال هذا الوقار يتطلب دراسة مفهوم «البيت»، وعدم اختزاله في «المنزل». فالمنزل يتعلق بموضع النزول والإقامة، بينما يحمل البيت معنى البنية التي تجمع أطرافًا ضمن علاقات ونظام وانتماء مشترك. وقد يكون المنزل موضعًا ماديًا للبيت، لكن وجود البناء وحده لا يكفي لتحقق مضمونه الاجتماعي والأخلاقي، كما أن استمرار البيت بوصفه منظومة علاقات لا يتوقف بالضرورة على بقاء أفراده في منزل واحد. ولذلك لا يصح جعل البيت والمنزل مترادفين في جميع السياقات، وإن اشتركا أحيانًا في الدلالة المكانية.
ويظهر هذا الاتساع في الاستعمال القرءاني لمفهوم البيت؛ فـ«بيت الله» ليس مجرد بناء تُختزل قيمته في جدرانه، بل مركز يرتبط بالتوحيد والمناسك والاجتماع على مقصد مشترك، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: 125]. وكذلك فإن وصف «أهل البيت» لا يتحدد بالجدران التي يقيمون خلفها، بل بالانتماء إلى بنية تجمعهم، وبالعلاقات والمسؤوليات التي تنشأ داخلها. فالبناء قد يحمل البيت ويكون مركزه المادي، لكنه ليس جميع حقيقته.
ومن الشواهد القرءانية المهمة قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 41]. فالسياق يتناول اتخاذ الأولياء والاعتماد عليهم، أي بنية العلاقات التي يُنتظر منها الحماية والمنفعة. ومن ثم، يمكن فهم وهن بيت العنكبوت من جهة ضعف البنية العلائقية وعدم صلاحيتها نموذجًا للأمان المتبادل، لا من جهة الخيوط أو المأوى المادي وحدهما. وتظهر لدى بعض أنواع العناكب سلوكيات يفترس فيها أحد الطرفين الآخر، مما يقدم صورة واقعية ممكنة لوهن العلاقات، وإن لم يكن هذا السلوك عامًا في جميع أنواعها، ولا شرطًا لفهم المثل. فالمقصود أن البيت ليس اسمًا للشبكة أو الجحر بمجردهما، بل يمكن أن يدل على نظام العلاقة الذي يقوم عليه اجتماع أطرافه.
وعند إعادة هذا المفهوم إلى قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾، يظهر أن البيوت هي مراكز الانتماء والمسؤولية التي ترتبط بها زوجات النبي، بما تتضمنه من حياة خاصة ووظيفة اجتماعية ورسالية. ولا يلغي ذلك وجود بيوت مادية يقمن فيها، فقد جاء في الآية التالية: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: 34]، وهو نص يربط هذه البيوت مباشرة بالعلم والذكر. غير أن وجود البعد المكاني لا يجعل المكان غاية الأمر، ولا يحول البيوت إلى مواضع للعزل وتعطيل الدور، بل يكشف أن ما يجري فيها من علم وتربية وتوجيه جزء من وظيفتها. وعلى هذا الأساس يكون الأمر بالوقار في البيوت أمرًا بالثبات في المرجعية التي تقوم عليها هذه البيوت، وحفظ قيمتها ومسؤوليتها، دون أن يلزم منه نفي الحركة أو المشاركة الاجتماعية.
ويكتمل فهم هذا التوجيه بالنهي الذي جاء بعده مباشرة: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ﴾. فمادة «برج» تستدعي مفهوم البناء البارز المرتفع، وما يتحقق فيه من جمع الأجزاء وضمها وتثبيتها بصورة متراكبة تمنحه القوة والاستقرار والظهور. فالبُرج بناء تتجمع عناصره وتتراكم حتى تتشكل منه كتلة مرتفعة ظاهرة للعيان، ويصبح الارتفاع والبروز والاستعلاء من أبرز آثاره. وعندما ينتقل المفهوم إلى السلوك الإنساني بصيغة «تَبَرَّجَ»، فإن صيغة التفعّل تضيف معنى التعمد والتكلف وبذل الجهد في تحقيق الفعل وإظهاره، فتتجه الدلالة إلى سلوك يسعى صاحبه من خلاله إلى صناعة البروز وإظهار التفوق والقوة أمام الآخرين.
ومن هذه الزاوية لا ينحصر التبرج في إظهار الزينة الجسمية، وإن كان ذلك من صوره، بل يتسع مفهومه السلوكي ليشمل المبالغة المقصودة في إبراز المكانة والقوة والمظهر، والسعي إلى الاستعلاء الاجتماعي واستجلاب الأنظار طلبًا للتميز والهيمنة. فقد يتبرج الإنسان بزينته أو ثروته أو سلطته أو مكانته، حين يحول ما يملكه إلى وسيلة استعراضية لإثبات التفوق على الآخرين. وليس مجرد الظهور في المجتمع تبرجًا، ولا كل إظهار للقدرات والمكانة استعلاءً، وإنما التبرج في هذا الفهم يتحدد بالقصد الاستعراضي المتكلف، حين تصبح الصورة الخارجية غاية بذاتها، ويُستخدم البروز وسيلة للتعالي على الناس.
وهنا تتضح العلاقة بين الأمر بالوقار والنهي عن التبرج؛ فالوقار يضبط حضور الإنسان انطلاقًا من قيمة ثابتة ومسؤولية واعية، بينما يدفع التبرج إلى تضخيم الصورة الخارجية وإبراز الذات بصورة استعلائية. فالوقار لا يلغي الظهور، وإنما يضبط غايته وسلوكه، والتبرج ليس مجرد وجود الإنسان خارج بيته، وإنما نمط من الحضور تحكمه الرغبة في الاستعراض. ولهذا فإن النهي عن التبرج لا يصح تحويله إلى نهي عن المشاركة الاجتماعية، كما لا يصح جعل الوقار مرادفًا للعزلة، لأن الإنسان قد يكون في منزله متبرجًا بما يمارسه من استعلاء واستعراض، وقد يكون حاضرًا في المجتمع محافظًا على وقاره واتزانه.
ويدعم السياق هذا الفهم حين يسبق الأمر بالوقار توجيه يتعلق بالكلام نفسه: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: 32]. فالنص لا يمنع النساء من الكلام أو التواصل مع الآخرين، وإنما يضبط طريقة الخطاب بما يمنع استغلاله أو تحويله إلى وسيلة إثارة وإغراء. والأمر بالقول المعروف يفترض وجود تواصل ينبغي أن يستقيم على معيار أخلاقي. ومن ثم، فإن العلاقة بين هذا التوجيه وما يليه ليست علاقة منع متدرج للكلام والحركة والحضور، وإنما بناء سلوك متزن في القول والوجود الاجتماعي، يقوم على المسؤولية بدل الاستعراض، وعلى المعروف بدل التلاعب بالتأثير في الآخرين.
ثم تأتي الأوامر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله لتربط الوقار بالفعل والمسؤولية، فلا يبقى مجرد صفة نفسية أو مظهر اجتماعي. فإقامة الصلاة تعبير عملي عن الالتزام بالله، وإيتاء الزكاة يرتبط بحقوق الآخرين والتزامات الجماعة، والطاعة تضبط هذا كله بمرجعية الرسالة. وهذه الأفعال تؤكد أن الوقار المقصود لا ينفصل عن العمل، وأن قيمة البيت لا تتحقق بانغلاق أفراده داخله، بل باستقامة العلاقات والممارسات التي تنتظم حياتهم وتنعكس آثارها على المجتمع.
وتأتي خاتمة الآية: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ لتبين الغاية الأخلاقية الجامعة لهذه التوجيهات. فالرجس يتناول ما يفسد الإنسان وسلوكه وعلاقاته، ولا يصح حصره في التبرج وحده، كما أن التطهير يتجاوز المظهر الخارجي إلى إصلاح البنية الأخلاقية التي تحكم القول والفعل والتعامل. ومن ثم، فإن اقتران الوقار والنهي عن التبرج وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والطاعة بمقصد التطهير يكشف عن منظومة متكاملة غايتها صيانة البيت وأهله من الفساد، والمحافظة على قيمة الموقع الذي يشغلونه داخل المجتمع.
وتأسيسًا على مجموع هذه الدلالات، يظهر أن قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ لا يقدم، بمجرده، أساسًا لجعل المرأة حبيسة المنزل أو نفي دورها الاجتماعي، بل يتوجه في سياقه المباشر إلى زوجات النبي بوصفهن صاحبات موقع ومسؤولية مخصوصين، فيأمرهن بالوقار والثبات في منظومة البيت التي ينتمين إليها، وينهاهن عن التبرج بما يحمله من استعراض وتكلف واستعلاء. كما يمكن أن يستفاد من هذا التوجيه مبدأ أخلاقي عام، يزداد تأكيده كلما اتسعت مسؤولية الإنسان وتأثيره في الآخرين، دون إلغاء خصوصية المخاطبات بالنص.
فالوقار ليس غيابًا عن المجتمع، والبيت ليس مجرد جدران، والتبرج ليس مرادفًا للخروج من المنزل. وإنما تتحدد قيمة الإنسان بقدرته على المحافظة على اتزانه الأخلاقي، والقيام بمسؤولياته دون تحويل حضوره إلى وسيلة للاستعراض والتعالي. ومن هنا يصبح مقصد الآية بناء الشخصية المسؤولة التي تجمع بين الثبات في قيمها والفاعلية في واقعها، لا إقامة حاجز مكاني يفصلها عن الحياة.
samer Islamboli2026-11-01T22:11:31+03:00
شارك المحتوى على مواقع التواصل
اضف تعليقا