ذلك الكتاب و هذا القرآن
لماذا قال تعالى ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ﴾ و﴿هَٰذَا الْقُرْآنُ﴾ و﴿وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾؟
إن اختلاف المباني في الخطاب القرءاني يرتبط باختلاف الدلالات والوظائف، ولذلك لا يصح التعامل مع «الكتاب» و«القرءان» بوصفهما متطابقين من كل جهة، كما لا يصح إهمال الفرق بين الاسم المعرّف والاسم المنكّر، أو بين الإشارة إلى منظومة معرفية والإشارة إلى واقع حاضر محل الدراسة والمشاهدة.
أولًا: الكتاب هو المنظومة الجامعة، والقرءان مجال القراءة المعرفية
يرتبط مبنى «الكتاب» بالجذر «كتب»، الدال على الجمع والضم والتنظيم، والكتاب هو المنظومة الجامعة لما أنزله الله من أحكام وأوامر ونواهٍ، وقضايا الإيمان والتوحيد والقيم والسلوك، إلى جانب الأنباء والتاريخ والسنن الكونية والآيات المتعلقة بالآفاق والأنفس، حيث تنتظم هذه الموضوعات جميعها في بنيان معرفي وتشريعي محكم.
أما «القرءان» فيرتبط بالجذر «قرأ»، المتصل بجمع المعطيات والنظر في علاقاتها واستخراج دلالاتها، ويختص من جهة التصنيف الموضوعي بمجال الأنباء والسنن والوقائع الكونية والتاريخية، التي تشكل مادة للقراءة والتدبر والدراسة والتعلم، مع استعمال «القرءان» اسمًا علمًا للخطاب المنزل كله.
وبذلك يكون الكتاب أعم من القرءان من جهة التصنيف الموضوعي، بينما يكون القرءان قسمًا معرفيًا ضمن منظومة الكتاب، دون أن يمنع ذلك إطلاق اسم القرءان على مجموع الخطاب المنزل.
ثانيًا: ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ﴾ بين التعريف والإشارة إلى البنيان الجامع
قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: 2).
جاءت كلمة «الكتاب» معرّفة بـ«أل»، فتناول الخطاب الكتاب بوصفه المرجعية الجامعة لما أنزله الله، بما يتضمنه من أحكام وأوامر وحقائق وسنن، ولم تكن الإشارة إلى صحف مادية نزلت من السماء ووُضعت أمام المخاطبين حتى يروها ويلمسوها.
فالإشارة بـ«ذلك» تتجه إلى الكتاب من حيث بنيانه الجامع وإحكامه وعلو مقامه وصدق هدايته، ولذلك أعقبها قوله ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، وهو تقرير لحقيقة مضمونه ومرجعيته، لا لوصف جسم مادي حاضر في المكان.
ولو قيل في هذا المقام «هذا الكتاب» لفهم الإشارة إلى مجلد مادي حاضر أمام الناس، لاتجه سؤالهم إلى طلب رؤيته ولمسه والتحقق من وجوده، بينما لم يكن الوحي المنزل مجلدًا معروضًا أمام أبصارهم.
وقد تناول الخطاب هذه الصورة المادية صراحة بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (الأنعام: 7)، فخصّ القرطاس واللمس بالذكر حين تناول فرض النزول في وعاء مادي محسوس.
ثالثًا: ﴿وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ ودلالة التنكير والبركة
قال تعالى: ﴿وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (الأنعام: 92).
لم يأت التعبير هنا «وهذا الكتاب»، وإنما جاء ﴿وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾، فانتقل من الإشارة إلى «الكتاب» المعرّف بوصفه المنظومة الجامعة، إلى تقديم «كتاب» منكّر موصوف بصفة مخصوصة هي البركة.
وفي هذا البناء الدلالي تبرز جهة من جهات الكتاب الجامع، تتجلى بركتها في النماء والزيادة وامتداد العطاء المعرفي، ومن أبرز مجالاتها النصوص القرءانية المتعلقة بالسنن الكونية والتاريخ والآفاق والأنفس، لأنها تقدم معطيات وحقائق وعلاقات تتسع معرفة الإنسان بها كلما تطورت أدوات البحث والملاحظة، وتقدمت قدرته على دراسة الواقع واكتشاف قوانينه وهو أمامهم مشاهد.
فالزيادة ليست في ألفاظ النص المنزل، وإنما في معرفة الإنسان بما تدل عليه آياته من علاقات وسنن، إذ يبقى النص ثابتًا بينما ينمو إدراك الإنسان لموضوعاته، وتتسع قدرته على اكتشاف ما لم يكن قد أدركه من قبل.
وهكذا يظهر الفرق بين «الكتاب» المعرّف، الذي يتناوله الخطاب من حيث شموله ومرجعيته، و«كتاب» المنكّر الموصوف بالبركة، الذي يبرز الخطاب من خلاله صفة مخصوصة وآثارها المتجددة في المعرفة والحياة.
رابعًا: ﴿هَٰذَا الْقُرْآنُ﴾ والواقع المشاهد القابل للدراسة
قال تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَىٰ قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (الأنعام: 19).
جاءت الإشارة بـ«هذا» في سياق قضية واقعية حاضرة بين النبي والمخاطبين، تتعلق بشهادتهم بوجود آلهة أخرى مع الله، وما يرتبط بهذا الاعتقاد من تصورات وسلوك وممارسات يمكن مشاهدتها ودراستها ومناقشة ما تقوم عليه من حجج.
فالقرءان هنا مقترن بالواقع الذي يتناوله الخطاب بالقراءة والكشف والاحتجاج، ولذلك جاءت الإشارة إليه بـ«هذا»، لتعيين المجال المعرفي المتصل بالقضية المطروحة في واقع الناس، وليس لمجرد الإشارة إلى وحي مسموع، لأن الكتاب أيضًا وحي متلو ومسموع.
فالقرب في هذا السياق يتعلق بحضور الواقع الذي تجري دراسته ومناقشته، وتظهر فيه المعتقدات والأفعال وآثارها، بينما يتجه مفهوم القرءان إلى قراءة هذا الواقع واكتشاف ما يكشفه من حقائق وعلاقات وسنن.
خامسًا: ﴿مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ﴾ وحضور كتاب الأعمال يوم الحساب
قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (الكهف: 49).
هنا لا يتعلق التعبير بالكتاب المنزل الجامع للأحكام والمعارف، وإنما بكتاب أعمال الإنسان الذي وُضع في مشهد الحساب، وصار حاضرًا أمام أصحابه، يواجهون ما فيه من إحصاء لأفعالهم.
ولذلك جاءت الإشارة بـ«هذا» على ألسنتهم، فقد أصبح المشار إليه حاضرًا في واقعهم المشهود، يرون أثره ويواجهون ما أحصاه، وهو ما يؤكده قوله ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾.
فالفرق بين ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ﴾ و﴿مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ﴾ ليس مجرد اختلاف في اسم الإشارة، وإنما اختلاف في المشار إليه وسياق حضوره، فالأول يتناول المنظومة الإلهية الجامعة في مقام الهداية، والثاني يتناول كتاب الأعمال الموضوع أمام أصحابه في مقام الحساب.
الخلاصة
الكتاب المعرّف في قوله ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ﴾ يتناول مجموع الوحي من جهة إحكامه ومرجعيته وهدايته، دون أن يشير إلى مجلد مادي موضوع أمام الناس، أما قوله ﴿وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ فيبرز صفة البركة والنماء، التي يتجلى أثرها المعرفي في اتساع فهم الإنسان للنصوص الكونية والتاريخية مع تقدم المعرفة.
وقوله ﴿هَٰذَا الْقُرْآنُ﴾ يبرز المجال المعرفي المتصل بواقع مشاهد قابل للدراسة والتعلم والاحتجاج، بينما يشير قوله ﴿مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ﴾ إلى كتاب الأعمال الحاضر أمام أصحابه يوم الحساب.
وبذلك لا تكون أسماء الإشارة ولا صيغ التعريف والتنكير ألفاظًا منفصلة عن بنيان المعنى، بل عناصر تؤدي وظائفها في تحديد المشار إليه، ومقام حضوره، وطبيعة المعرفة التي يتناولها الخطاب.
ضبط منطقي مهم: أبقيت تخصيص البركة بالنماء المعرفي في إطار منهجك، لكنني لم أجعل التنكير وحده برهانًا قاطعًا على أن الآية تتحدث حصريًا عن جزء من الوحي، لأن عبارة ﴿وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ وردت أيضًا في الأنعام (155) متبوعة بالأمر ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا﴾، ولذلك تكون الحجة أقوى عندما يبرز النص مجال النماء المعرفي دون نفي البركة عن سائر المجالات.